ستبقى فاشلا بدون المقياس الصحيح و الوحيد لنجاحك

مهما حدثوك عن النجاح وطرق النجاح فإن السر لا يكمن إلا في الميزان الذي تقيس به نجاحك وإخفاقك، فاصنع لنفسك ميزانها وإلا ستكون فاشلا.
4.5 (2)

في مطلع الثمانينات، قرر أعضاء إحدى الفرق الموسيقية طرد عازف الغيتار من الفرقة، كان ذلك ليكون حدثاً عادياً لولا أن الطرد ترافق مع توقيع الفرقة لأول عقودها مع شركة الإنتاج. كانت تستعد لتعيش حلم تسجيل أول ألبوماتها، و قبل التسجيل بأسبوع و بينما كان الجميع يشعر بالحماسة و يحلم بالشهرة: طرد أعضاء الفرقة عازف الغيتار دون أدنى نقاش معه، فقط استيقظ صباحاً ليجد نفسه يحجز تذكرة العودة إلى مدينته.

هبطت معنويات صديقنا، و شعر أنه قد تعرض لطعنة في ظهره، لم يهتم أحد لمشاعره، و الأسوء من ذلك هو توقيت الطرد: في أهم لحظة تاريخية للفرقة. و من الذي خانه؟ الأشخاص الذين أولاهم ثقته الكاملة.

هل سبق أن مررت بموقفٍ مشابه؟

اتخذ قراراً يعجز معظمنا عن اتخاذه: لقد شقّ طريقه من جديد، فأسس فرقته الخاصة التي نجحت إلى الحدّ الذي دفع فرقته الأولى لترجوه أن يعود إلى صفوفها (يا للذكاء!)

أما بالنسبة له، فقد غذّت رغبته في الانتقام شغفه، و أنطلق الإبداع داخله بفعل غضبه المكبوت. و خلال عامين كانت فرقته الجديدة توقع أول عقودها الحصرية.

صحاب هذه القصة هو Dave Mustaine  (مؤسس فرقة Megadeth) التي باعت أكثر من 25 مليون ألبوم غنائي و قامت بجولاتٍ عدة حول العالم لإحياء حفلاتها.

لكن هل تعلم ما هي الفرقة التي طُرد منها؟
إنها فرقة Metallica
و هي واحدة من أشهر فرق موسيقى الميتال (حتى بالنسبة لغير المهتمين بهذا النوع من الموسيقى)، و قد باعت أكثر من 180 مليون ألبوم حتى اليوم.

و في مقابلة نادرة مع Mustaine عام 2003،عبّر الأخير عن حزنه العميق لطرده من الفرقة، بل و أطلق على نفسه لقب : إنسان فاشل!
ما الذي دهاه؟ ملايين النسخ المباعة و عشرات الملايين من المعجبين و مئات مثلها من الدولارات.. و مع ذلك يرى نفسه فاشلاً؟

و الآن، إن أخبرتك أن الدرس المستفاد من هذه القصة هو (لا تقارن نفسك مع الآخرين، كن أنت، أنت نسيجٌ وحدك)، ستشعر بالندم على تضييع وقتك في هذه المقالة التقليدية،أليس كذلك؟

حسناً! سأصدمك و أقول بأنني أعلم بأن هذه الخلاصة هي هراء محض … و ممجوج أيضاً، فأنا أعلم أن (مقارنة أنفسنا بالآخرين) هي واحدة من جيناتنا  التي يبدو أن التخلص منها ضربٌ من المستحيل (حتى لو قمنا بعملية جراحية لإستئصالها!) إذاً أنا لن أطلب منك أن تتوقف عن مقارنة نفسك بالآخرين، إنما سأطلب منك أن تختار (المقياس الصحيح) لفعل ذلك..
و دعني أضرب لك مثالاً…

أنا أجني مالاً أقل من معظم مدراء الشركات الكبرى، و بالطبع ستسارع للقول بأنني أقل نجاحاً منهم. أليس كذلك؟

مممم، دعني أعترف أن السيد VIP سيحجز مقعداً في الدرجة الأولى على الطائرة في رحلة لإنهاء صفقة ما، بينما سأجلس أنا أتمتع برفقة طفلين رضيعين –مع أمهما الثرثارة- و هما يعزفان سيمفونية فريدة من البكاء! و بالطبع سأكون محشوراً في كرسي رائع على ذات الطائرة، لكن في الدرجة الاقتصادية..

لكن مهلاً.. لمَ لا ننظر للأمر من زاوية مختلفة؟

فأنا أكسب قوت يومي من مساعدة الآخرين على تحسين حياتهم من خلال كتابة مقالة كهذه (أو هذه)، بينما صديقنا VIP يقتات على استغلال جهد موظفيه و إطالة معاناتهم بمشاريعه الربحية.

فسواء أكنت إلى جواره في الدرجة الأولى … أو كنت مع الطفلين في الدرجة الاقتصادية، بالنسبة ليّ فأنا أتفوق عليه! ذلك لأن النجاح لا يُقاس بالمال، بل بالآمال التي نزرعها في حياة الآخرين، أنا لا أقيس نجاحي بالاستناد إلى صافي الدخل المتراكم، بل إلى الأثر الاجتماعي المتعاظم.

لكن هذا المقياس ينطبق عليّ وحدي، أليس كذلك؟
بالضبط! و هنا يكمن مربط الفرس: يجب على كل منّا أن يختار مقياسه “الخاص” للنجاح.

من المؤسف أننا لا نتعلم ذلك في مجتمعنا، بل ما يحدث هو العكس:
حيث يتم تلقيننا أن للنجاح الاجتماعي معايير معينة، يتحتم علينا جميعاً اتباعها و إلا صُنفنا فاشلين:
احصل على أكبر راتب ممكن في عملك – لن نقبل منك أقل من الدرجة الكاملة في امتحاناتك – قم بشراء ذاك المنزل باهظ الثمن (للبريستيج) – تعصب لبلدك في كل قضية – كوّن عائلة .. ولا تنس أن تُنجب صبياً!!

بعض تلك المعايير تناسبنا، و بعضها لا… لذا فمن الضروري أن نعلم حقيقة عدم كونها مسلّمات بل قد تكون أصفاداً نقيّد بها أنفسنا!
امتلاك المال أمرٌ رائع بالتأكيد، لكنه بالطبع ليس المقياس الوحيد للثراء. امتلاك العلاقات أمرٌ مهم أيضاً، لكن إن لم تمتلك في دائرة معارفك أشخاصاً من ذوي النفوذ، فذاك لا يجعلك شخصاً أقل قيمة.

إذاً كيف تقيّم نجاحك؟


هو سؤال لا تسهل إجابته دوماً، و دعني أثبت لك ذلك:

  • {هل تفضل الزواج من فتاة بارعة الجمال، لكن تواجدك معها لا يُشعرك بالغبطة، أم أنثى عادية تُشعرك بالحب يوماً بعد يوم؟}
  • {هل تفضل العمل في وظيفة مملة لكن مجزية مادياً، أو وظيفة بالكاد تسدّ رمقك لكنك تستمتع في كل يوم عمل؟}

و أخيراً

  • { هل تفضل أن تكون شخصاً مشهوراً و مؤثراً في مجال غير مهم (كصاحب المركز الأول في مسابقة غناء) أم شخصاً لم يسمع به أحد لكنه يعمل في مجال مهم (كمحاربة السرطان)؟}

يسهل عليك الإجابة بنموذجية، لأنك كإنسان مدفوع للعمل في سبيل السعادة و البحث عن المعنى. لكن كثيراً ما نقع في الحيرة حين نجد أن الإجابة الأولى في الأسئلة السابقة هي من يحقق السعادة للآخرين، فنقع في فخ تصور أننا سنكون أكثر سعادة إن وافق مسار حياتنا مسارات حياتهم.

إن مقاييس النجاح التي نختارها يمتد آثرها على المدى الطويل بل و تحدد شكل حياتنا بالكامل.

في قصتنا شعر ديفيد أنه فاشل على الرغم من الشعبية التي حصل عليها. لأن مقياسه للنجاح كان تقليدياً: شعبية فرقة Metallica أعلى من شعبية فرقة Megadeth

لكن ماذا لو أختار أن يقيس نجاحه بالاستناد إلى مقياس السعادة التي شعر بها و هو يرى مدى الحماس الذي استقبل به الناس موسيقى فرقته، و كيف أن فرقته سمحت له بالتعبير عن ذاته الحقيقية، بدلاً من كونه مجرد (عازف غيتار في فرقة أكثر شهرة)؟

كان ذلك ليغير كل شيء.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!