ما هي ضريبة قولك “نعم” لسارقي الوقت؟

الوقت ،هذا الثمين الذي إن ضاع لا يمكن أبدًا أن تعوضه ، كل شيء في هذه الحياة يمكن إعادته والتحكم به إلا الوقت يمر ولا يمكن إيقافه
3.0 (4)

إلى الشخص الذي راسلني هذا الصباح مرفقًا طلبه اللطيف: إجابتي -للأسف- هي لا! صدقني، لستَ السبب، لقد كنتَ محترمًا، وكل ما طلبتَه لم يتعدَ رغبتك في تحديد وقت لنجتمع معا. المشكلة متعلقة بيّ. فأنا أعاني نوعًا من “فقدان الشهية”. لا أريد منك أن تقلق عليّ، فمرضي ليس خطيرًا، في الحقيقة هو النوع الوحيد “الصحي” من أنواع فقدان الشهية، بل يمكنني القول بأنه سرّ نجاحي.

ببساطة: لديّ فقدان شهية متعلق بالتقويم (calendar) فأنا حريص على عدم ملء جدول مواعيدي، أريد أقل عدد ممكن من الالتزامات المسجلة داخل تقويمي. هل تريد أن نُدردش دردشة سريعة؟ هل ترغب بأن نتناول القهوة في الأسبوع القادم؟ أو ربما ترغب بمناقشة موضوع معين! كلا  كلا، كلا. أستطيع ذلك، لكن لا يمكنني فعله.

حتى إذا تضمّن الأمر فرصًا حقيقية، حتى لو كان لن يستغرق أكثر من ١٥ دقيقة فقط، حتى لو كان أمرًا لا يُمانع الجميع فعله، سأتجنبه! بالطبع لست شخصًا مثاليًّا! فقد استسلم ﻷحد الطلبات في بعض الأحيان. لكن، حين أراجع جدول مواعيدي، وأجد أن لديّ العديد من المواعيد لليوم، فسريعًا ما أصاب بالتوتر الشديد. “ما كل هذا!؟”، “لماذا وافقت على الالتزام بكل تلك المواعيد؟!” والسؤال الأهمّ: “كيف سأتمكن من الكتابة؟”

لا أريد أن يحتوي جدول أعمالي على أكثر من أمرين أو ثلاثة كحدٍ أقصى. أو أن يكون أمرًا مجزيًا ماديًّا، أو أرغب – من أعماقي – أن أفعله. عدا ذلك.. ابحث لك عن أحد آخر! يذكر المستثمر الشهير”Paul Graham” في مقاله الشهير عن الفرق بين المديرين والمبدعين: هناك طريقتان يدير الأشخاص أوقاتهم، فالمديرون يعلمون أن يومهم يعجّ بالاجتماعات والمكالمات والمهام الإدارية، على صعيدٍ آخر، يحتاج المبدعون إلى أوقات كثيرة دون مواعيد ليتمكنوا من الإبداع والتفكير.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

عندما يسألني أحدهم عن سرّ تمكني من إنجاز العديد من المقالات والكتب، تكون إجابتي في ست كلمات: “السر يكمن في فقدان الشهية للمواعيد”

ينطبق ذات الأمر على الطريقة التي تمكنت فيها من الحفاظ على علاقاتي الاجتماعية، وكيف تمكنت من الالتزام بالتمارين الرياضية والقراءة. فأنا أؤمن بما يؤمن به المبدعون: بأن كثرة المواعيد خانقة للإبداع. حين تكون شخصًا مغمورًا، فلا أحد يريد الكثير من وقتك، لكن ما إن تحقق بعض النجاح في مجال عملك، حتى يتغير الأمر. وهذا ليس سيئًا، بل على العكس: هو دليل على أنك حققت العديد من أهدافك وأصبحت شخصًا مُلهمًا.

ولكن النتيجة هي أنه سيكون لديك المزيد من الفرص والمسؤوليات، وسيتحدد مسار حياتك المهنية (بل ومقدار السعادة في حياتك) بتعاملك مع تلك الفرص والمسؤوليات الجديدة. في كتابي “Ego is the Enemy“، يمكنك أن تقرأ قصة مُلهمة عن (جورج مارشال / George Marshall) ، فقد كان “جورج مارشال” عضوًا في مجلس الإدارة لشركة Truman ، وذات مرة، طُلب منه الجلوس أمام رسّام ليرسمه.

وعلى الرغم من أنني متأكد من أنه فعل ما بوسعه للتهرب من الأمر ، لكنه – لسببٍ ما – لم يكن قادرًا على ذلك. لذا ذهب، لعدة أيام، للجلوس أمام الرسّام، وقضاء عدة ساعات ﻷجل.. صورة. في اليوم الأخير، أبلغ الرسّام “مارشال” أن الصورة اكتملت. وهنا نهض “مارشال” بسرعة، وشكره وتوجه نحو باب الخروج. فوجئ الرسّام. “كان يقضي كل هذا الوقت جالسًا، ألم يرغب برؤية اللوحة على الأقل؟” كان الجواب: لا. لم يُرِد “مارشال” قضاء أي ثانية إضافية. وبالتأكيد لم يكن ليهتم كيف يبدو في الصور!

لطالما أثارت شكوى الممثلين استغرابي، وذلك حين يتذمرون من قضائهم أسبوعين في إجراء مقابلات وجلسات تصوير ضمن حملة الترويج لفيلمهم الجديد. {فمن ذا الذي لا يُحب أن يكون “وجهًا إعلانيًا”؟ أليس تلك متطلبات الشهرة بطبيعة الحال؟}. لكنني في النهاية بدأت أفهم:
لقد كانت تلك المقابلات تستغرق وقتًا طويلًا وتستهلك طاقتهم.. باختصار كانت تُفسد حياتهم بالكامل! (حياتهم خارج الاستوديوهات). الأسوأ من ذلك، هو أن تلك المقابلات عبارة عن أمر مكرر وغير مُجدٍ، خاصةً في ظلّ الإجابة عن الاسئلة نفسها مرارًا وتكرارًا، والتي يطرحها أشخاص ربما لم يُشاهدوا أعمالهم حتى!

كتب “Seneca” ذات مرة:

لو اجتمع جميع العباقرة عبر التاريخ، لما وسع أحدهم أن يُفسّر علاقتنا الغريبة مع الوقت! لن تجد من يتخلى عن شبر واحد من ممتلكاته، وأقل نزاع مع أحد الجيران حول “حدود المنازل” قد يحوّل الحيّ بأكمله إلى قطعة من الجحيم!، رغم ذلك، فإننا نسمح للآخرين بالتعديّ على “حياتنا” بسهولة، والأسوء من ذلك أننا غالبًا ما نُمهد الطريق ﻷولئك كي يأخذوا ما يشاؤون من أوقاتنا.

لن تجد من يوزع أمواله على المارة (إلا إن كان مجنونًا!)، فكيف نوزع أوقاتنا لأشخاص آخرين .. (وأحيانًا لمن لا يستحق)؟ وحتى إن تبقى بعض الوقت ﻷنفسنا، فيكون ذاك الوقت الذي نخلد فيه للراحة!

الزمن هو أكثر أصولنا التي لا يمكن تعويضها … ولا يمكننا شراء المزيد منه … ولا حتى ثانية واحدة! ومع ذلك نتعامل معه كما لو كان أكثر الموارد تجددًا!

رجاء أخير:

أيًّا كان من يسألك إن كان يمكننا الدردشة أو الاجتماع لقضاء الوقت، فلتكن إجابتك: لا! أنا آسف، لكن خذ مالي واترك وقتي ليّ ﻷنني عاجز عن تعويضه، وأرجو أن تتفهم ذلك.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!