سبعة دروس تعلمتها من معادلة الراتب بين الموظف والمدير
لماذا يقبض الموظف الذي يكد ويتعب ويشقى راتبا أقل من المدير الذي يجلس في مكتبه المكيف ولا يقوم سوى بأعمال ورقية، أو هكذا أظن
لماذا يقبض الموظف الذي يكد ويتعب ويشقى راتبا أقل من المدير الذي يجلس في مكتبه المكيف ولا يقوم سوى بأعمال ورقية، أو هكذا أظن
add تابِعني remove_red_eye 10,701
من المعتاد عند إجراء المقابلات الشخصية أن تسلك الأسئلة مساراً واحداً: مِن موظف الموارد البشرية إلى المتقدم للوظيفة. ولهذا فوجئت عندما سألني الموظف في نهاية المقابلة: هل لديك أية أسئلة؟!
لم أدرِ بما أجيب.. أقصد: لم أدر ماذا أسأل!! ولكني تدراكت الأمر سريعاً وسألت الموظف عن موعد إعلان نتيجة المقابلة الشخصية وعن موعد بدء العمل وبعض الأشياء الأخرى.
في الحقيقة، كان يتردد بداخلي سؤالٌ آخر عن الراتب الشهري، ولكني تحرّجت أن أخرجه من بين ضلوعي خاصةً عندما رأيت العديد من المتقدمين ذلك اليوم يعتذرون عن الوظيفة لضآلة الراتب نوعاً ما مقارنةً بالوظائف التي كانوا يعملون بها في السابق.
ابتسم الموظف وأجابني عن كل أسئلتي، ثم قال لي: أليس لديك سؤال آخر؟!
أحسست من ابتسامته الخبيثة وسؤاله المتكرر أنه أدرك ما يتردد في نفسي، ولكني آثرت ألا أسأل وقلت في نفسي “لكلٍ منا رزق سيصل إليه لا محالة”. ولكن لا يمكن أن أترك سؤال موظف الموارد البشرية يسيح هكذا في الهواء دون أن أوطّن له رداً، فقررت أن أستخدم بعض ذكائي لأسأله عن العرض المقدم من الشركة بصفةٍ عامة. فابتسم الموظف ابتسامة أخبث من سابقتها وقال لي: تقصد الراتب الشهري؟!
فهززت رأسي أي نعم!
كان يوماً لا يمكن أن أنساه على الإطلاق، فقد فزت أخيراً وبعد عناء شديد وكد استمر سنوات في دروب الأعمال البسيطة بأول وظيفة لي بالقرية الذكية بالقاهرة وكان الراتب مجزياً نوعاً ما. وبعد عدة سنوات، ارتقيت فيها السلم الوظيفي حتى وصلت إلى مكان جيد داخل أحد أهم الأقسام بالشركة. وفي يومٍ من الأيام وبدون سابق إنذار أخبرونا أن مديرنا المباشر قد استقال من الشركة بسبب ضآلة راتبه!!
كنت أظن أن المدير يتقاضى ما يفوق راتبي بألفين أو ثلاثة أو ربما أربعة قبل أن يصعقني خبر يقين بأن راتب المدير “الضئيل” والذي كان سبباً في استقالته يتعدى عشرة أضعاف راتبي الشهري أنا وزملائي بالقسم. وصُعقت كذلك عندما أتوا بمديرٍ آخر ليمنحوه ضعف راتب المدير السابق، ليفوق بذلك عشرين ضعف راتبي “المجزي” في ذلك الوقت!!
كنت ومازلت أتساءل: لماذا يحصل الموظفون الذين يؤدون أصعب الأعمال وأشقها رواتب أقل بكثير من مديريهم الذين لا يكادون يقدمون شيئاً يذكر.. هلا قللنا الفجوة قليلاً؟!.. إلا أني افترضت حسن النية وقلت في نفسي: لا بد أن هذا المدير الجديد لديه من الخبرة والحنكة والعلم والمعرفة ما سيجعله ينقل الشركة إلى مستوى آخر من التقدم والنمو والازدهار. ولكن بعد عامٍ واحد فقط تمكن مديرنا الفذ من تكبيد الشركة خسارة تقدّر بأكثر من مليون جنيه بسبب فكرة واحدة تعهّد بوضعها والبدء في تنفيذها ولكنها لم تكتمل.
كنا نظن أن الشركة ستستبدل المدير بآخر، أو على الأقل تقوم بنقله إلى أحد الأقسام الأخرى. ولكن كانت ردة فعل المسئولين بالشركة مغايرة تماماً لكل منطق يمكن أن يخطر ببال عاقل، فقد ترقى المدير إلى منصب أعلى من سابقه ليصبح الرجل الثاني بالشركة!!
وللأمانة، لم يكن مديرنا هذا بالرجل السيئ ولم تكن أفكاره سيئة، ولكن لم تكن تلك الأفكار تتناسب مع المرحلة التي كانت تمر بها الشركة في ذلك الوقت. كما أن رؤيته كانت قاصرة على ما يدور بداخل الشركة فقط دون أن يدرك حجم التطورات والمنافسات التي كانت تحدث خارجها. ربما كان يعيش في أحد أبراج الاتصالات العاجية أو ناطحات السحاب الدولارية.. ربما، ولكنه كان قدرنا المقدور على أية حال.
كنا نتعجب من تضييق الخناق علينا نحن الموظفين البسطاء خاصةً عند المطالبة بزيادة الرواتب والحوافز أو تطبيق العدالة في توزيع الأرباح أو تفعيل نظام الترقيات. في حين كانت الشركة تبسط يدها لكل من يحمل لقب “مدير”، فيمنحونه سيارة خاصة وموبايل حديث ونسبة عالية من الأرباح السنوية ولا يلقون إلى الموظف الأدنى إلا بالقليل من الفُتات أو بالأحرى: فتات الفتات.
وبينما كنا نتناقش يوماً أنا وزملائي حول هذا الأمر داخل مكتبنا الصغير، إذ قام أحد الزملاء من على مكتبه ليتقمّص شخصية المدير، فذهب باتجاه باب المكتب وطرقه ثم دخل علينا نافشاً صدره واضعاً يده في جيبه وهو يقول موجهاً كلماته للمجال الجوي الملامس لأنفه الشامخ في السماء: هل تعتقدون أني أتقاضى السبعين أو الثمانين كما تزعمون؟! إنهم لا يعطونني إلا ستين فقط!! وماذا تفعل ستون ألفاً في هذا الزمان؟ إن لدي أولاداً يدرسون في مدارس دولية، وسيارتي الفارهة وسائقي الآسيوي وفيلتي ذات الطراز الحديث، وزوجتي المهووسة بأمور التسوق والشراء.. ماذا تفعل الستون أو السبعون بالله عليكم؟!
قام أحد الزملاء واقترب من المدير التخيلي ووضع يده على كرشه البارز للأمام وقال له: بالتأكيد سيدي المدير، لا بد أن يلتحق أولادك بكلية المديرين العليا، ولا بد أن يسكنوا حي الرؤوساء، وأن يأكلوا أشهى الأطعمة والمشروبات كي يرثوا عنك كل قرش.. أقصد “هذا الكرش”!
فانفجرنا في الضحك وكدنا نموت عن آخرنا.
كان الحوار السابق لا يتعدى حد الدعابة والترويح عن النفس، ولكنه كان يحمل الكثير من الحقيقة. فقد انكشفت لنا فيما بعد الكثير من الأمور المتعلقة برواتب الموظفين بمختلف درجاتهم الوظيفية عندما دخل إلى سوق العمل ثلاث شركات كبرى تعمل بمجال خدمة العملاء، وقدمت تلك الشركات عروضاً جيدة برواتب خيالية للموظفين والمديرين الذين يعملون بالشركات المنافسة. فسال لعاب البعض منهم وجرى وراء العرض المميز، ولم تجد شركتنا بُداً من أن تقدم على زيادة الرواتب عامة لتوقف نزيف الكوادر الأفذاذ. عندها توصلت إلى حقيقة مفادها أن هناك معادلة ثلاثية الأطراف لا تخلو منها أي شركة، وهي المحرك الأساسي لسياسة الكثير من الأعمال داخل الشركة: معادلة الراتب والموظف والمدير.
بالرغم من أن كلمة معادلة مشتقة من “العدل”، إلا أن معادلتنا تلك لم تكن عادلة على الإطلاق. وعلى أية حال فقد تعلمت منها سبعة دروس أنقلها إليكم لعلها تكون ملهمة أو منقذة للبعض منكم:-
add تابِعني remove_red_eye 10,701
زد
زد
اختيارات
معلومات
تواصل
الإبلاغ عن مشكلة جميع الحقوق محفوظة لزد 2014 - 2026 ©
أهلاً ومهلاً!
10 مقالات ستكون كافية لإدهاشك، وبعدها ستحتاج للتسجيل للاستمتاع بتجربة فريدة مع زد مجاناً!
المنزل والأسرة
المال والأعمال
الصحة واللياقة
العلوم والتعليم
الفنون والترفيه
أعمال الإنترنت
السفر والسياحة
الحاسوب والاتصالات
مملكة المطبخ
التسوق والمتاجر
العمل الخيري
الموضة والأزياء
التفضيل
لا تكن مجرد قارئ! close
كن قارئ زد واحصل على محتوى مخصص لك ولاهتماماتك عبر التسجيل مجاناً.
مقال يساعد في تضييق الفجوة بين راتب الموظف وراتب المدير
link https://ziid.net/?p=27090