شاعرية الرواية العربية أمام الرواية الغربية
الأدب والرواية من الفنون المميزة التي يمكنها أن تعطيك صورة كاملة وواضحة حول ثقافة المجتمع والعصر ومن يعيشون فيه
الأدب والرواية من الفنون المميزة التي يمكنها أن تعطيك صورة كاملة وواضحة حول ثقافة المجتمع والعصر ومن يعيشون فيه
add تابِعني remove_red_eye 3,014
إن المطلع على العمل الروائي الحديث، إذا ما أعمل النظر الثاقب ليقف على سمة فاصلة بين العمل العربي والعمل الغربي تفتح أمامه مطارح عدة للنقاش، والتوغل إلى دواعٍ كفيلة بأن تجدد للوعي هويته من بين ثنايا الأسطر والفقرات والفصول الروائية، ليقف على القيمة الشاعرية بين الرواية العربية والرواية الغربية، إذ تتجلى تلك القيمة في الأولى بوضوح حتى تكاد تكسوها من الغلاف إلى الغلاف، بينما انشغلت الأخرى بالواقعية البحتة والانصراف إلى النزعة العقلية والمعلوماتية أكثر منها إلى الانفعال الوجداني.
والشاعرية مصدر صناعي من شعر، اكتسب قيمته الدلالية من التصاقه معنوياً بفن الشعر، والشعر أغنى من أن يعرف أو يوضع في تعريف جامع، إلا أن نقادا مثل سيد قطب قد نفذ إلى سر من أسراره يقوم عليه بحثنا قائلاً: “هناك تجارب شعورية معينة تثير انفعالات شعورية خاصة، لا يستنفذها إلا التعبير الشعري. وقد لا يكون صاحبها من القادرين على التعبير نظما فيعبر نثرا، ولكنه شبه موزون من ناحية الإيقاع، ومشحون بالصور والظلال التي هي ميزة الشعر الكبرى”1. ] سيد قطب – النقد الأدبي أصوله ومناهجه ].
إذن فالفقرة السابقة تشير في بادئ الأمر إلى أن الشاعرية ليست حكرا على النظم والقافية، بل هي تلج النثر باعتبارها انفعالا له صوره ودلالاته التي تستوعب ما يطرأ على النفس الإنسانية من خاطر يجول بها في لحظة ما، وعلى ذلك تعد الرواية ميدانا فسيحا لاحتضان وهج تلك الشاعرية، فما السبب وراء ذلك؟
لم تخلُ مدينة عربية في القرن العشرين من أحداث شاهدة عليها، سواء كانت أحداثاً سياسية أو دينية أو تاريخية، جعلت من استخدامها في فضاء الرواية العربية أشبه بالمطالع الطللية للقدماء، تلك التي كانت تهيء لاستحضار ذكر الأحبة، والحنين إلى الماضي المنصرم، وذكر المآثر الحسنة، ونجد ذلك يتجلى في روايات من مثل “خان الخليلي” لنجيب محفوظ، وهي جزء من الفضاء الذي يساهم في تشكيل الجو العام في الرواية، وهو يؤدي عدة وظائف مهمة في الرواية كما حددت بثينة العيسى”…
فهو يملأ القارئ بالخوف والحنين أو التوتر، كما يملأ شخصيات الرواية، ولعل العصر الحديث شاهد على تتابع الحوادث الكبرى في بقاع المدن العربية، بدءاً من اغتصاب القدس والشمال الفلسطيني ومدن الجنوب اللبناني، مروراً بقاهرة الثالث والعشرين من يوليو وقبلها ثورة1919، انتهاء بعواصم شمال أفريقيا وويلات الاستعمار فيها، وبغداد عام 2003.
سنوات الحب والحرب دائما تشكل مبدأ أدبياً خصبا، ونبعا ملهما لا يجف أنَّى وجدت، حتى أفادت منها الرواية الغربية في أعمال من أمثال “سلسلة مقبرة الكتب المنسية” للإسباني كارلوس زا فون، والتي سلطت الضوء على الحرب الأهلية الإسبانية وتبعاتها، كما لعبت دورا بالغ الأهمية في تشكيل هوية الرواية العربية، ولعل المبدأ ذاته متجسد في إحدى روايات خولة حمدي ” في قلبي أنثى عبرية”، التي تبنت المبدأ السالف قلباً وقالباً، حيث التقى أحمد المجاهد في المقاومة جنوب لبنان بندى التي قامت بتطبيب إصابته في ساقه إثر إحدى الغارات التي شنتها المقاومة على العدو، ومنها تولدت القصة.
كما نجده مجسدا تجسيداً أوضح من السابق في رواية “الطنطورية” للدكتورة رضوى عاشور وهي تتعامل مع مدن الشمال الفلسطيني تحت هجمات الصهيونية، كما ترشف الأديبة السورية أنيسة عبود من ذات النبع في “قبل الأبد برصاصة”، وذلك كما يصفها منير عتيبة “…تفتح جرحا غائرا لن يندمل قريباً، ولن يندمل أبدا بسهولة… ” ٣ [ منير عتيبة – السرد التطبيقي] وهي تناقش الشتات العراقي إبان الغزو الأمريكي، كل ذلك وأكثر، فإن كانت المؤلفات التاريخية تجنح إلى تسجيل الدواعي وتدوين أحداث الحرب، فإن الرواية العربية تزج بقارئها في الحرب ذاتها.
اتخذ طابع الحنين إلى الوطن من الفنون مستراحا جيداً له، فهو قبل أن يتربع في الأدب في فن الرواية العربية الحديثة يلج عدة مجالات من الفنون أشهرها في الغناء توأمة فيروز والرحابنة في كثير من الأعمال على رأسها “زهرة المدائن”، “القدس العتيقة”، كما تميز ذلك الثنائي في غير عمل بحنينه إلى القرية حيث مرتع الصغر، أما وجود القيمة في الأدب فهو متجذر منذ أن كان الأدب، وتتجلى بوضوح في الروايات التي تصور نكبة فلسطين وتشتت الفلسطيني في المخيمات، على رأسهم غسان كنفاني، وأدباء المهجر، ورواية “ثلاثية غرناطة” لدى المصرية رضوى عاشور التي تصور ملحمة الأندلس الضائع، كما تأثر بها زوجها الشاعر مريد البرغوثي في عمليه “رأيت رام الله”، و “ولدت هنا وولدت هناك”.
ولعل ذلك لا يمحو القيمة الشاعرية في الرواية الغربية، إلا أن الرواية العربية تتفوق تفوق درجة لا أكثر، ولها من الدواعي ما يجعلها أدعى لتبني تلك القيمة عن غيرها، فللرواية العربية معطيات لو أتيحت من قريب أو بعيد للغربية لتفوقت عليها في ذلك، والعكس بالعكس.
روايات عالمية تخبرنا كيف جسّد الأدب عناء المهمشين
تجربتي في قراءة الروايات ومشاهدة أفلامها المصورة، أيهما أفضل؟
add تابِعني remove_red_eye 3,014
زد
زد
اختيارات
معلومات
تواصل
الإبلاغ عن مشكلة جميع الحقوق محفوظة لزد 2014 - 2025 ©
أهلاً ومهلاً!
10 مقالات ستكون كافية لإدهاشك، وبعدها ستحتاج للتسجيل للاستمتاع بتجربة فريدة مع زد مجاناً!
المنزل والأسرة
المال والأعمال
الصحة واللياقة
العلوم والتعليم
الفنون والترفيه
أعمال الإنترنت
السفر والسياحة
الحاسوب والاتصالات
مملكة المطبخ
التسوق والمتاجر
العمل الخيري
الموضة والأزياء
التفضيل
لا تكن مجرد قارئ! close
كن قارئ زد واحصل على محتوى مخصص لك ولاهتماماتك عبر التسجيل مجاناً.
مقال مثير حول علاقة الرواية بالهوية
link https://ziid.net/?p=61576