تجربة الدوام على دراجة : أفكار تجعل السعودية صديقة للدراجات

هنالك مدينة صديقة للدراجين ومدينة ليست كذلك، فقررت مشاركة تجربتي في ركوب الدراجة لتكون السعودية كلها صديقة للدراجات.
4.3 (17)

بعد أن أدمنت رياضة ركوب الدراجات فكرت في أن أجعل الدراجة رفيقتي اليومية، وكان مقر عملي يبعد عن المنزل ما يقارب عشرين كيلا، لذلك قررت ترك السيارة في المنزل وتجربة الذهاب إلى العمل من المنزل بالدراجة. كان هذا في أول الأمر تحديا رياضيا لا أكثر، فقد كنت أبذل ما بوسعي للتخلص من وزني الزائد. لكني كررت هذه التجربة مرات عديدة خلال السنوات الثلاثة الماضية لما أجد فيها من المتعة. كنت أخرج مبكراً قبل شروق الشمس حتى أبتعد عن زحام السيارات، وأكون من أوائل الواصلين إلى مقر العمل، فأنزوي في مكان مغلق وأبدل ملابسي وأتعطر وأبدأ العمل. كانت تلك الأيام من أكثر أيامي إنتاجية، فقد كنت أصل إلى مقر العمل باكرا وأنا في قمة النشاط، وأغادر وأنا متحمس لرحلة العودة. وبعد عودتي إلى المنزل أكون أديت حق العمل والجسد معًا، فأقضي بقية وقتي مع الأهل والأصدقاء أو بممارسة أي هواية أحبها.

ولأن التجربة تعتبر غريبة أو جديدة على الكثيرين فسأذكر لكم هنا أبرز التساؤلات التي قد تدور في أذهانكم حول هذه التجربة.

تركب الدراجة في شوارع الرياض؟ هل أنت مجنون؟!

قد يكون هذا هو أول تساؤل يخطر في بالك، وهو أول تساؤل يرد على لسان كل من أخبره بذلك. وعليّ أن أعترف من البداية أن القيادة في شوارع الرياض خطرة حتى على سائقي السيارات أنفسهم. لكن ذلك لا يعني الاستغناء عن الدراجة تماما. ولدي إيمانٌ جازم بأن ركوب الدراجة يجب أن يتحول من مشهد غير مألوف إلى ظاهرة مجتمعية، وأن تألفها الناس وتستفيد منها، وتبعاً لذلك ستتحول شوارع المملكة العربية السعودية – بطبيعة الحال –  إلى شوارع صديقة للدراجات.

أعذار وهمية تحرمك متعة الدراجة

الدراجة والثوب والشماغ!

لسوء حظنا أن الزي الرسمي السعودي لا يتفق هو والدراجة، فلا الثوب يستقيم مع وضعية الجلوس على الدراجة ولا الشماغ والعقال يصمدان أمام حركة الهواء! وهذه مشكلة لطيفة يجدر بالمبتكرين والمبدعين أن يلتفتوا إليها ويحاولوا ابتكار بعض الحلول البسيطة والفعالة. وإلى ذلكم الحين توجد حلول شخصية مؤقتة تعتمد على طبيعة العمل مثل ترك الثوب في مقر العمل أو في مغسلة الملابس القريبة منه. عملي لا يشترط الزي السعودي الرسمي، لذلك أضع بنطال (جينز) وقميص في الحقيبة وألبسهما عند وصولي.

حر الصيف، التعرق، أوساخ الطريق

لا أحد ينكر أن صيف الرياض قاسٍ يشتد فيه الحر وتهب فيه رياح السموم وتتطاير فيه الأتربة، لكنك لستَ مضطرا لأن تشوي نفسك في موسم “طباخ التمر”. فبرغم قسوة الصيف إلا أن الشتاء موسم رائع، وجو الرياض في طبيعته غير متقلب، فالرياح هادئة في الشتاء، والسحاب إن غطى السماء فسيبيت ليلة وليلتين وثلاث قبل أن يقرر الرحيل، والشمس إن خففت وطأتها اليوم فمن المستبعد أن تثور غدا، الجو يتغير ببطء شديد، أما في دول أوروبا التي تشتهر بكثافة الدراجات فيتقلب فيها الجو أغلب العام، وأذكر أني في رحلة واحدة بالدراجة في إحدى هذه الدول قد شهدت الجو المشمس والغيم والمطر والثلج والبَرَد كلها في يوم واحد! وكثير من أهل هذه الدول يتندرون بقولهم: “إن لم يعجبك الجو فانتظر خمس دقائق فقط”.

المتقاعسون يتساءلون “هل الجو مناسب اليوم؟” أما الأبطال فيتساءلون “ماذا ألبس في هذا الجو؟”

وارتداء الملابس الصيفية الخفيفة المناسبة للدراجة – التي تغطي كامل الجسم – تحميك من أوساخ الطريق، وفيها مسامات تسمح بعبور الهواء لتبريد جسمك فيقل التعرق، كما أن لياقتك وسرعتك تلعبان دورا كبيرا في تقليل التعرق أيضاً.

الطريق إلى العمل بعيد جدا

التنقل بالدراجة ليس مقتصرا على العمل فقط. ما المانع أن تجرب الذهاب إلى السوق أو المسجد على ظهر دراجة؟ أعد النظر في مشاويرك المعتادة، ستجد أن الدراجة خيار جيد للمسافات القصيرة، وقد تختصر لك الوقت أيضاً.

كيف يتعاطى الناس معك وأنت على دراجتك؟

لن تصدق مدى الحفاوة التي ستحظى بها حين يرى الناس شجاعتك بركوبك الدراجة والتنقل بها في الشارع، كثيرا ما ألقى عبارات التشجيع اللطيفة وإيماءات الإعجاب من المارة والعمال. وحتى سائقو السيارات سيولونك كل الاحترام والتقدير، فهم سيتوقفون كثيرا من أجلك حتى تعبر، وابتسامات الرضا تعلو وجوههم. وستكون محظوظا إن شاهدك الأطفال فهم سيمدونك بطاقة من الابتهاج تكفيك حتى تصل!

المشكلة الرئيسية هنا هي أنك لن تحظى بهذه الحفاوة حتى يتنبه سائق السيارة إلى وجودك، فالطرق غير مهيأة لاستيعاب المشاة بشكل آمن، فضلا عن الدراجات! لا أخفيكم سراً أني أعتبر رحلتي بالدراجة إلى العمل مغامرة أكثر من كونها وسيلة للتنقل. وكل ما يمكنك فعله هو معرفة أكثر الطرق أماناً والابتعاد عن الطرق المزدحمة بالسيارات أو التي تكثر فيها أعمال الطرق. طريق الملك عبد الله في مدينة الرياض – على سبيل المثال – من الطرق الجيدة للدراجات سواءً ركبت دراجتك على الرصيف أو على طريق الخدمة. وفي العموم، التنقل داخل الأحياء وتجنب الطرق الرئيسية طريقة جيدة وآمنة – بإذن الله – إلى حد كبير.

ما الذي يريده الدراجون من سائقي السيارات؟

إن كنت سائقاً للسيارة فنتمنى منك أن تراعي الدراجين في هذه الأمور:

  • لا حاجة إلى استعمال المنبه لتنبيهنا بأنك قادم من الخلف لتجاوزنا، حاول أن تترك مسافة آمنة وتجاوزنا مباشرة، فنحن في الغالب نسمع صوت سيارتك والمنبه قد يربكنا فنتصرف بطريقة لم تحسب حسابها.
  • حاول دائماً أن تترك مسافة آمنة، كأن تترك المسار الذي نسير عليه وتتجاوزنا من مسار آخر.
  • انبعاثات العوادم من السيارات القديمة والمحركات المهترئة تضايقنا إلى أبعد حد. كما أنها تؤذي البيئة.
  • تأكد من خلو الشارع من المركبات (بما فيها دراجاتنا) قبل أن تخرج سيارتك من المواقف أو تفتح الباب. فكثيرا ما نتفاجأ بسيارة تخرج بسرعة من المواقف من غير اعتبار لوجودنا، وقد لا تتاح لنا الفرصة لتفاديها فتشكل خطرا على سلامتنا.
  • الإشارات وأنوار المكابح والرجوع إلى الخلف كلها مهمة جدا لك وللسائقين من حولك، تأكد من سلامتها واستعمالها لأنها وضعت لسلامتك.
  • شوارع الرياض حتى هذه اللحظة لا تراعي المشاة ولا الدراجات، لذلك كثيرا ما نعلق في إحدى الشوارع المزدحمة أو السريعة ونحاول عبورها، إذا لاحظت ذلك فساعدنا بإتاحة الفرصة لنا لنعبر.

ما الذي يجعل مدينة مثل الرياض واعدة لراكبي لدراجات الهوائية؟

الشوارع الواسعة، والأرصفة الكبيرة، وقلة عدد المشاة مقارنة ببقية دول العالم،كل هذه الأمور تجعل من معظم المدن الرئيسية في المملكة – وعلى رأسها العاصمة – مشجعة لاستعمال الدراجة. كما أن تهيئة الطرق مستقبلا لاستيعاب الدراجات سيكون سهلا وسريعا. وكثير من المنظمات الحكومية تجاوبت سريعاً مع الدراجين، فجامعة الملك سعود – على سبيل المثال – هيأت مواقف مخصصة للدراجات أمام مباني الكليات، ودعمت الهيئة العامة للرياضة مجموعات الدراجين وأقامت العديد من الفعاليات والسباقات لنشر هذه الثقافة بين أفراد المجتمع.

وستكون لأهل الرياض مزية خاصة بعد أن يبدأ عمل قطار الرياض، فيمكن الجمع بين الدراجة والقطار لتوفير الوقت والجهد، ونأمل أن ينتبه المسؤولون إلى ذلك ويسمحوا الناس باصطحاب دراجاتهم معهم في المقطورة ففي ذلك دعم لثقافة ركوب الدراجات، وهذا سينعكس على صحة الناس البدنية والنفسية وعلى البيئة أيضاً بتقليل الانبعاثات الضارة. ناهيك عن المزايا الأخرى التي لا يجدها سائق السيارة، مثل سهولة إيجاد موقف للدراجة وعدم الاصطفاف خلف السيارات على الشوارع المزدحمة، وغير ذلك.

وأبشركم بأن العمل جارٍ لتوفير مسارات خاصة بالدراجين في شوارع الرياض! وهذا يدل على تفهم المسؤولين وتطلعهم إلى أن يتحول المجتمع إلى مجتمع صحي ونشيط، وذلك تحقيقا للرؤية الطموحة التي رسمتها المملكة لعام 2030. وتبعاً لذلك أيضاً بدأت الأنظمة المرورية بسن قوانين صارمة تزامنا مع هذه التغييرات، وهذا يبشر بتحول إيجابي كبير في أنظمة السير خلال الأعوام القليلة القادمة. ونتمنى لو تكون لراكبي الدراجات مزايا خاصة، كإعفائهم من الضرائب إذا كانوا يذهبون إلى العمل بالدراجة، وهذا القانون مطبق في المملكة المتحدة دعما لراكبي الدراجات.


إن كنت تود في تحسين بيئة الدراجين في السعودية والعالم العربي فشاركنا تجربتك وأفكارك في مقال رائع!

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!