هل بدائل السكر ضارة بالصحة؟ معلومات شاملة حول مادة الأسبرتام

لا تكاد تبحث عن بدائل السكر إلا وتلاحظ حديثا شائعا وجدلا واسعا حول مادة الأسبرتام المستخدمة في منتجات شهيرة مثل كوكاكولا أهي الحل؟
4.4 (11)

منذ ولادتك إلى الآن، لا شك أنك استهلكت الكثير من علب العصير والمشروبات الغازية (اللايت)، الكثير من قطع السكاكر والعلكة والبسكويت، والكثير أيضا من أنواع الحلويات المُصنَّعة. إن القاسم المشترك بين كل هذه المأكولات والمشروبات هي أنها حلوة المذاق. لكن، هل فكرت قليلا ما إذا كانت هذه الأخيرة تحتوي على مادة السكر أم أنها تحتوي على مادة مُحلية أخرى شبيهة بالسكر؟

القصة بدأت  في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1965م عندما تم بالصدفة اكتشاف مادة الأسبرتام (Aspartam)، التي ستحمل فيما بعد رمز E951 ، من قبل الكيميائي جيمس شلاتر (James Schlatter) الذي كان يعمل ،آنذاك، على تحضير دواء ضد قرحة المعدة، وبينما كان يقوم بالتجارب وضع إصبعه في فمه للإمساك بورقة فاستشعر بذلك مذاقا حلوا. هكذا إذن تم اكتشاف مادة الأسبرتام التي تفوق مادة السكر حلاوة بـ 150 إلى 200  مرة غير أنها لا تحتوي إلا على كمية قليلة جدا من السعرات حرارية.

المعروف هو أن مادة الأسبرتام تُستخدم كبديل  للسكر العادي بالنسبة لمرضى السكري. لكن، قبل أن نتعرف ما إذا كانت هذه المادة تشكل تهديدا حقيقيا على صحة الإنسان، لا بد وأن نتعرف على مكوناتها.

تتكون مادة الأسبرتام  المُحلية من ثلاثة عناصر أساسية تشكل تركيبتها:
  •  50% من الحمض الأميني الفينيل ألانين (Phenylalanine)،  ويدخل ضمن تركيبة  البروتينات التي تشكل الأنسجة والهرمونات وكذا العظام، كما يمكن أن يتحول الفينيل ألانين إلى حمض أميني أخر هو التيروسين (Tyrosine). وحيث أن جسم الإنسان لا يستطيع أن يُصَنِّعَ من تلقاء نفسه  حمض الفينيل ألانين، فإنه يعتبر عنصرا أساسيا في غذائنا اليومي، من دونه لا يستطيع الجسم أن يؤدي وظائفه.
  •  40% من حمض الأسبارتيك (Aspartic acid)،  ويدخل ضمن قائمة الأحماض الأمينية غير الأساسية التي يستطيع الجسم تصنيعها بشكل طبيعي. كما يلعب دورا مهما في إنتاج البروتينات ويساعد أيضا في عملية استحداث السكر التي تسمح بتوفير الطاقة لخلايا الجسم. نستطيع أن نجد حمض الأسبارتيك بشكل مركز أكثر في كل من اللحوم والأسماك والفول السوداني.
  • 10% من مادة الميثانول (Methanol)  السامة، ويعرف أيضا باسم الكحول الميثيلي أو روح الخشب. ينتمي الميثانول إلى أنواع الكحوليات البسيطة كما أنه قابل للاشتعال وله رائحة مميزة ولا يتخذ أي لون. يُستخدم الميثانول كوقودٍ بإضافته إلى بنزين السيارات ويستخدم أيضا كمذيب عضوي للدهانات كما نجده في مُركّبَات العطور ومواد أخرى. يصبح الميثانول ساما عندما يُستهلك كبديل للكحول الإيثيلي من قبل مدمني الخمور لأن سعره رخيص مقارنة بمواد كحولية أخرى، حيث يتحول داخل جسم الإنسان إلى الفورمالدهيد (Formaldehyde) الذي يتحول بدوره إلى حمض الفورميك (Formic Acid)، وهما مركبان جد سامان.

ينتج عن التسمم بالميثانول، سواء كان ذلك عن طريق البلع أو الاستنشاق، مجموعة من الأعراض تتمثل في حدوث اختلالات وظيفية في الجهاز العصبي، بالإضافة إلى حدوث اضطرابات على مستوى الرؤية ما قد يؤدي إلى العمى، ومن بين أعراض التسمم أيضا ظهور بعض الالتهابات الجلدية في جسم الإنسان.

ما هي إذن المنتوجات التي تحتوي على مادة الأسبرتام المُحلية؟

نستطيع أن نجد مادة الأسبرتام في أكثر من 6000 منتوج من بينها:

  • محليات المائدة سواء كانت على شكل مساحيق، مكعبات، أقراص أو سوائل.
  • منتوجات الحمية الغذائية المكتوب عليها: لايت، دايت، بلا سكر،% 0.
  • مساحيق البروتينات والمكملات الغذائية.
  • بعض أنواع:  المشروبات الغازية، العصائر، اليغورت.
  • بعض أنواع:  السكاكر، ألواح الشوكولاتة، العلك، الحلويات، المثلجات.
  • بعض أنواع:  رقائق البطاطس (chips)، رقائق الذرة والقمح (corn flakes).
  • بعض أنواع أكياس الشاي سريعة التحضير.
  • بعض أنواع المُربَّى.
  • بعض أنواع الأدوية (أدوية الأطفال والأدوية التي تعالج نزلات البرد بشكل خاص).

والآن، بعدما تعرفنا على مكونات الأسبرتام والمنتوجات التي نستطيع أن نجدها فيها، هل هي فعلا مضرة بصحة الإنسان؟

في سنة 1974م وافقت الإدارة الأمريكية للأغدية والأدوية (FDA : U.S. Food and Drug Administration) على استعمال وتسويق مادة الأسبرتام لصالح شركة سيرل (Searle)، التي تعمل في مجال تصنيع المستحضرات الصيدلية، بناء على بحوث  تقدمت بها الشركة وقت طلبها الموافقة على إنتاج وتسويق الأسبرتام. لكن، سنة بعد ذلك تم تعليق هذا القرار بناء على بحوث أخرى قام بها مجموعة من الباحثين تشكك في وجود تأثيرات مسرطنة للمادة في جسم الإنسان.

وفي سنة 1976م قررت الإدارة الأمريكية للأغدية والأدوية  (FDA) القيام بتحقيق حول مدى صحة بحوث شركة سيرل، لكن الجهة المختصة لم تقم بمتابعة هذا الملف. ثلاث سنوات بعد ذلك في 1979م قامت الإدارة الأمريكية للأغدية والأدوية  (FDA) بتعيين لجنة مستقلة من أجل اختبار وتقييم مادة الأسبرتام، حيث أعلنت فعلا عن إمكانية وجود تأثيرات مسرطنة  بناء على دراسة أقيمت على الفئران والقوارض، ما دفعها إلى تأييد تعليق قرار تسويق المادة إلى أن تقام دراسات أخرى حولها. هذه الأحداث كانت بمثابة نقطة انطلاق بالنسبة لشريحة واسعة من الجمهور في عدم الوثوق في هذه المادة المُحلية.

وفي سنة 1981م تم تعيين رئيس جديد للإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية من قبل فريق حكومي كان يضم بين أفراده رئيس شركة سيرل، وهو دونالد رامسفيلد (Donald Rumsfeld). شهور قليلة بعد ذلك، رخصت الإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية مرة أخرى لشركة سيرل تسويق وبيع الأسبرتام معتمدة في ذلك على دراسة يابانية مستقلة خَلُصَتْ إلى عدم وجود أية تأثيرات مسرطنة على الفئران والقوارض. هذا القرار أدى إلى تفاقم الإحساس بعدم الثقة من قبل المستهلكين.

لكن، هل هذا هو الرأي الوحيد؟

بالرجوع إلى معهد راماتزيني (Ramazzini) الإيطالي الذي يشتغل في مجال مكافحة السرطان، فإنه قد اعتبر أن الدراسات التي اٌجريت حول الأسبرتام في سنوات السبعينات كانت تعاني من بعض القيود والثغرات، لهذا قرر هذا الأخير  في أواخر التسعينات أن يقوم بدراسة من شأنها سد ثغرات البحوث السابقة، حيث نشر في سنة 2005م نتائج هذه الدراسة التي أحدثت ضجة كبيرة والتي أثبت فيها معهد  راماتزيني ارتفاع حالات الإصابة بأورام سرطانية على مستوى كل من  المخ، الدم، الغدد، الجهاز العصبي والكليتين، بالنسبة للقوارض التي تناولت مادة الأسبرتام خلال مدة الدراسة على عكس القوارض الأخرى التي لم تتناولها.

يفسر الدكتور موراندو سوفرتي (Morando Soffritti)، الذي أشرف على الدراسة في معهد راماتزيني، ارتفاع حالات الإصابة بسرطان الدم والغدد بسبب تواجد  الميثانول السام في تركيبة مادة الأسبرتام كما سبق وأشرنا إلى ذلك في بداية المقال، حيث أكدت النتائج المتعلقة بدراسة الميثانول في الماضي على أنه يؤدي حتما إلى الإصابة بهذه الأنواع من السرطان.

بعد ذلك، قوبلت نتائج معهد راماتزيني (Ramazzini) بالرفض من قبل فريق من الخبراء يمثلون الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (  EFSA : European Food Safety Authority) يقوده الدكتور بَرلو (Barlow). لكن، سرعان ما توجهت أصابع الاتهامات نحو الدكتور بَرلو من قبل العديد من المنظمات تتهمه بالعمل لصالح المعهد الدولي لعلوم الحياة (International Life Sciences Institute)، وهو معهد يتلقى تمويلات من طرف مجموعة من الشركات الصناعية الكبرى مثل: كوكا كولا، نستله ومونسانتو.

ولحدود الساعة، لازالت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) تَعتبر أن الأسبرتام  مادة آمنة لصحة الإنسان معتمدة في ذلك على الدراسات السابقة التي قامت بتحليلها وتشمل 112 من الوثائق  الأصلية منذ بداية الثمانينات إلى الآن والتي قدَّمتها الشركات المصنعة من أجل الحصول على الإذن لتسويق مادة الأسبرتام.

لكن، في سنة 2011م وفي إطار إعادة التقييم المنهجي للسلامة، قامت المفوضية الأوروبية (Commission Européenne) بتقديم طلب إلى الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) من أجل القيام بدراسة كاملة أخرى حول مدى سلامة الأسبرتام ،ومن المتوقع صدور نتائج الدراسة في مطلع سنة 2020م.

ويبقى السؤال مطروحا حول من المستفيد من تأخير مثل هذه الدراسات المهمة.

بعد كل هذا الجدل الذي أثير حول مادة الأسبرتام الصناعية يبقى القرار الأخير لك عزيزي القارئ في استهلاك هذه المادة من عدمه.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!