الثورة الفرنسية وإعادة كتابة تاريخ فرنسا
لعبت الثورة الفرنسية دورًا حاسمًا في تشكيل نظام الدول الحديثة وإظهار القوة الخفية في إرادة الشعوب للتخلص من الحكم الظالم.
لعبت الثورة الفرنسية دورًا حاسمًا في تشكيل نظام الدول الحديثة وإظهار القوة الخفية في إرادة الشعوب للتخلص من الحكم الظالم.
add تابِعني remove_red_eye 14,952
منذ ما يزيد عن قرنين من الزمان، كان هناك حدث تاريخي، نستطيع القول بأنه فاصِل في التاريخ الأوروبي الحديث كاملًا. هذا الحدث هو الثورة الفرنسية التي بدأت في عام 1789م وانتهت مع صعود نابليون بونابرت على كرسي الحكم في أواخر تسعينات القرن الثامن عشر. خلال هذه الفترة، جاهد الفرنسيون للتخلص من الحكم الملكي والنظام الإقطاعي، وحدث ذلك نتيجة سخط الشعب على نظام الحكم الذي رأوا فيه البؤس والظلم بسبب تصرفات الملك والملكة غير الحكيمة، اللذين انتهى بهما الأمر على مقصلة الإعدام.
بالرغم من أنّ الثورة لم تحقق جميع أهدافها وتسببت في إراقة العديد من دماء أبناء الشعب الفرنسي، إلا أنها قد لعبت دورًا حاسمًا في تشكيل نظام الدول الحديثة وإظهار القوة الخفية في إرادة الشعوب للتخلص من الحكم الظالم. لنتعرف على هذه الثورة عن قربٍ أكثر.
في نهاية القرن الثامن عشر تورطت فرنسا على أيدي الملك لويس السادس عشر في الثورة الأمريكية وأنفقت فرنسا أموالًا باهظة في الحروب، إضافة إلى إسراف الملكة ماري أنطوانيت الذي استفز الشعب كثيرًا. وبسبب عدم الحكمة في هذا الإسراف، استُنزفت الخزائن الملكية، وما زاد الأمر سوءًا توالي عقدين من المحاصيل الجافة في فرنسا، كما انتشرت أمراض الماشية وارتفعت الأسعار بشكلٍ هائلٍ، فوصل الفلاحون والفقراء إلى ذروة الغضب، وأعلن الكثير عن استيائهم للنظام والحكم، وبدأت الأمور تخرج عن السيطرة وانتشرت أعمال النهب والشغب والاضراب.
اقترح المراقب العام “تشارلز ألكسندر دي كالون” في خريف عام 1786م، بعض من الإصلاحات المالية، واقترح فرض ضرائب على الطبقات الثرية، لكن تنفيذ هذا الإجراء لم يكن سهلًا، مما اضطر الملك لاستدعاء مجلس العقارات العام الذي يتألف من النبلاء ورجال الدين ومُمثلي الطبقة الوسطى في فرنسا، وهذا المجلس لم يستدعه أحد منذ عام 1614م. وحددوا ميعادًا لاجتماع المجلس في 5 مايو عام 1789م. وفيه ستُرفع المظالم التي تم تجميعها إلى الملك.
منذ عام 1614م تغيرت فرنسا كثيرًا وزادت أعداد الأعضاء غير الأرستقراطيين إلى أن وصلت لحوالي 98% من الشعب. وبدأت الطبقة الثالثة في المطالبة بتساوي المكانة بينهم وبين النبلاء. في نفس الوقت، كان النبلاء يرفضون فكرة تجريدهم من الامتيازات التي يتمتعون بها. وجاء وقت الاجتماع وزاد الجدل وخرج النقاش عن الهدف الأساسي للاجتماع.
في 17 يونيو من نفس العام، اجتمعت السلطة الثالثة وأنشأوا ما يشابه حزب وأطلقوا عليه لقب الجمعية الوطنية. بعد مرور ثلاثة أيام، التقوا في ملعب تنس وتعهدوا بالاتحاد حتى يتحقق الإصلاح الدستوري. وفي خلال أسبوعين فقط، انضم إليهم معظم رجال الدين، وحوالي (47) من النبلاء الليبراليين.
فرح الكثير من الفرنسيين بشأن سقوط الملكية، لكن بالرغم من ذلك، فقد أُصيبوا بالذعر عندما انتشرت شائعات تُفيد بأنه سيكون هناك انقلاب عسكري على وشك الحدوث. في 14 يوليو من نفس العام، زاد التمرد حتى اقتحم مثيرو الشغب قلعة الباستيل من أجل الحصول على الأسلحة والبارود. اليوم، تحتفل فرنسا بهذا اليوم عيدًا وطنيًا، ويعتبرونه بداية الثورة الفرنسية.
تعرضت طبقة الفلاحين للكثير من الاستغلال والظلم، وعندما بدأت الثورة الفرنسية، زاد حماسهم كثيرًا، وتمردوا على ما صبروا عليه من ظلم واستغلال، فما كان منهم إلا وأحرقوا منازل أصحاب العقارات وجباة الضرائب. وبسبب تمرد الفلاحين هذا، خافت طبقة النبلاء وسَرَّعوا أمر خروجهم من البلاد. وفي يوم 4 أغسطس عام 1789م أُلغي الإقطاع.
في يوم 4 أغسطس أيضًا، أُعلنت حقوق الإنسان، بناءً على المبادئ الديمقراطية المرتكزة على بعض الأفكار الفلسفية والسياسية لمُفكري التنوير. كما أُعلنت وثيقة تُفيد بالتزام الجمعية الوطنية بانتهاء النظام القديم، وقيام نظامٍ جديدٍ عادلٍ يدعو لتكافؤ الفرص والسيادة الشعبية وحرية التعبير عن الرأي.
تحملت الجمعية الوطنية الكثير من الضغوطات، أهمها صياغة دستور فرنسي لأول مرة، إضافة إلى مساندتها البلاد في الأوقات العصيبة التي تعرضت فيها البلاد لكساد اقتصادي نتيجة الثورة. وتساءل العديد من الناس الكثير من الأسئلة حول نظام الحكم الجديد، وكيف سيكون المشهد السياسي الجديد في هذه البلاد. فمثلًا، مَن سيتولىَ أمر انتخابات المندوبين، وما انتماءات رجال الدين، هل للكنيسة أم للحكومة؟ وكان السؤال الأهم من ذلك كله، ما هي صلاحيات الملك الجديدة، خاصةً بعدما أصبحت صورته أمام الناس غير جيدة على الإطلاق بعدما حاول الفرار في يونيو عام 1791م، وباءت محاولته بالفشل.
في يوم 3 سبتمبر عام 1791م اعتُمد أول دستور فرنسي مكتوب، يتمتع فيه الملك بحق النقض الملكي، علاوة على حق تعيين الوزراء. لم يوافق على هذا الحل الراديكاليين (والراديكالية، هي مصطلح سياسي يُعبر عن أولئك الذين يبحثون عن الظلم أو نقاط الضعف أو الجور ويقضون عليه)، لذلك همّوا بجمع الدعم الشعبي وطالبوا بمحاكمة الملك لويس السادس عشر.
ظهر ما يُسمى بالثورة المُضادة، ففي أبريل عام 1792م، أعلنت الجمعية التشريعية الفرنسية الحرب على كل من النمسا وبروسيا، فقد اعتقدوا أنّ المهاجرين الفرنسيين الذين يعيشون في تلك البلاد يحاولون تكوين تحالفات معادية للثورة. من ناحية أخرى، لم يكن الوضع مستقرًا في الداخل، فقد هاجم مجموعة من المتمردين المتطرفين المقر الملكي في يوم 10 أغسطس عام 1792م واعتقلوا الملك.
وفي سبتمبر من نفس العام، هاجم المتمردون مئات من الفرنسيين المُتهمين بانضمامهم لتحالفات الثورة المضادة وقاموا بذبحهم، كما أُعلن بإلغاء الملكية وإقامة نظام الجمهورية. اتُّهم الملك لويس السادس عشر بالخيانة العظمى للبلاد، وأُرسل إلى مقصلة الإعدام في يوم 21 يناير عام 1793م. تعرضت زوجته ماري أنطوانيت لنفس المصير بعد تسعة أشهر.
بعد إعدام الملك لويس السادس عشر، انتشرت الخلافات والانقسامات بين قوى الشعب، ووصلت الثورة إلى مرحلة العنف والاضطرابات، يُمكننا القول بأنها في عهد الإرهاب. في يونيو عام 1793م، وضع اتباع جمعية اليعاقبة (جمعية سياسية كان لها نفوذ كبير أيام الثورة الفرنسية) بعض الإجراءات وطالبوا بالقضاء على الديانة المسيحية في فرنسا، كما كانوا الشعلة التي أطلقت العهد الدموي للثورة خلال فترة تقارب 10 أشهر، استطاعوا خلالها قتل آلاف من أعداء الثورة المشتبه بهم، فقد حُكم بالإعدام على حوالي 17 ألف شخص، كما قُتل وسُجن عدد غير معروف دون محاكمة.
في يوم 22 أغسطس عام 1795م، وافق المؤتمر الوطني على فكرة تقديم دستور جديد وإنشاء أول مجلس تشريعي في فرنسا. وأصبحت السلطة التنفيذية في أيدي خمسة أعضاء يعينهم البرلمان. لم يتفق الملكيون واليعاقبة مع النظام الجديد واحتجوا عليه، لكن استطاع الجيش الفرنسي إسكاتهم بقيادة قائد شاب يسمى نابليون بونابرت.
خلال الأربع سنوات التالية، تعرضت البلاد لأزمات مالية واستاء الشعب كثيرًا، وظهر خلَل في الحكم، حتى إنه في أواخر تسعينات القرن الثامن عشر، كان الاعتماد الكلي على الجيش للحفاظ على حالة البلاد، وأصبحت القوة الفعلية في أيدي قادة الجيش. وفي 9 نوفمبر عام 1799م، انقلب نابليون على الحكم وعين نفسه القنصل الأول أي أنه أصبح الحاكم الفعلي لفرنسا، واستطاع إخماد الثورة التي استمرت لسنوات طويلة يبلغ عمرها حوالي 10 سنوات، وانتهى عصر الثورة وبدأ عصر نابليون الذي استطاع قيادة فرنسا بحكمة وقوة حتى إنّ فرنسا في عهده استطاعت فرض سيطرتها على جزء كبير من أوروبا.
هل يمكن للرسائل أن تغير من شكل العالم؟
add تابِعني remove_red_eye 14,952
زد
زد
اختيارات
معلومات
تواصل
الإبلاغ عن مشكلة جميع الحقوق محفوظة لزد 2014 - 2025 ©
أهلاً ومهلاً!
10 مقالات ستكون كافية لإدهاشك، وبعدها ستحتاج للتسجيل للاستمتاع بتجربة فريدة مع زد مجاناً!
المنزل والأسرة
المال والأعمال
الصحة واللياقة
العلوم والتعليم
الفنون والترفيه
أعمال الإنترنت
السفر والسياحة
الحاسوب والاتصالات
مملكة المطبخ
التسوق والمتاجر
العمل الخيري
الموضة والأزياء
التفضيل
لا تكن مجرد قارئ! close
كن قارئ زد واحصل على محتوى مخصص لك ولاهتماماتك عبر التسجيل مجاناً.
ما زالت الثورة الفرنسية حديث العالم حتى يومنا هذا، تُرى ما السبب وراء ذلك؟
link https://ziid.net/?p=77789