ألفا زيرو الجانب المظلم في عالم الذكاء الاصطناعي

الذكاء الصناعي يتغلغل شيئا فشيئا في حياتنا ويُعتقد أن المستقبل البشري سيتم تصميمه عبر الآلة أو الذكاء الصناعي بعبارة أخرى.
0.0 (0)

في خمسينيات القرن المنصرم، توفي الباحث المرموق آلان تورينج. أسهم هذا الرجل في بناء أول آلة تتبع نظام الخوارزميات ليكون الأب الروحي للحواسيب التي نملكها اليوم. لكن تورينج ترك أيضا ورقات بحثية مثيرة للاهتمام، عبر فيها عن إمكانية تطور الآلة وفرضيات تعلمها، وكأن هذا العقل الجبار عاش في عصرنا وشاهد التطورات المتسارعة للحواسيب الفائقة (supercomputers) أو برامج الذكاء الصناعي التي تربع على رأسها برامج التعلم الذاتي. المثير في الموضوع أن تورينج، في عصر الراديو، تنبأ بإمكانية حيازة الآلة على وعي مشابه للوعي البشري، وتساءل عن حدود هذا الذكاء، وكأن لسان حاله يقول : “ستنجح البشرية في بناء آلة ذكية يوم ما”.

لكن قبل كل شيء لنعد إلى بداية القصة، ماهو الذكاء الصناعي؟ وماهو الفرق بين الذكاء الصناعي وبين البرمجة التقليدية التي نعرفها في حواسيبنا؟ وماهي تداعيات هذه التقنيات الجديدة علينا بصفتنا الكائنات “الأذكى” على الكوكب؟

الذكاء الصناعي :

عرفنا انتشار مصطلح “ذكي” في المنتجات التقنية الحديثة، على غرار “الهواتف الذكية” و”البرامج الذكية” وغيرها. لكن ذكاءها ليس حقيقيا، بل هي مجرد نظم تتبع خوارزميات حددها المبرج منذ البداية دون أي مجال يترك فسحة لـ “اجتهاد” الآلة. وحتى أكثر البرامج تقدما وتعقيدا ليست سوى خارطة طريق تتبعها الآلة لتطبيق التعليمات الموجودة عليها. الذكاء الصناعي الحقيقي بدأ مع فكرة تعلم الآلة (machine learning) حيث يقوم البرنامج بمراقبة المعطيات المقدمة له وتحليلها، ثم بناء موقف خاص منها، دون أي تدخل بشري.

ألفا غو :

ألفا غو كان واحدا من البرامج الناجحة والتي تمكنت من تعلم لعبة “غو” الصينية والتفوق على بطل العالم فيها عام 2015. لكن تعقيد اللعبة جعل البرمجة التقليدية تفشل في إيجاد حل بسيط لها، ويكفي أن نعلم أن عدد الذرات في الكون المنظور (من مجرات وكواكب الخ) في حدود الـ 10 مرفوعة إلى 80، بينما عدد احتمالات لعبة “غو” تناهز الـ 10 مرفوعة إلى 172. أي أن عدد احتمالات اللعبة أكبر بكثير من عدد ذرات الكون.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

لئن فشلت البرمجة التقليدية فإن برنامج تعلم الآلة مُمثلا في ألفا غو، قد تمكن من تعلم اللعبة ذاتيا عبر مشاهدة عشرات الآلاف من المباريات ليبني فكرة خاصة لا نعرف شيئا عنها، لكنها مكنته من الفوز على بطل العالم في هذه اللعبة.

ألفا زيرو :

في مرحلة لاحقة تم تصميم برنامج يعتمد على نظام متفوق سُمي التعليم المعزز (reinforcement learning)، ليعوض تعلم الآلة. وبهذا تم إنتاج ألفا زيرو ليتمكن من تعلم لعبتي الشطرنج والـ “شوغي” (الشطرنج الياباني) فضلا عن الـ “غو” في أوقات قياسية، وليقوم بالتفوق على أقوى البرامج المختصة في كل من الألعاب الثلاثة.

المثير في الأمر أن ألفا زيرو واجه الذكاء الصناعي في لعبة “غو” بمنافسة سلفه ألفا غو، لكنه واجه منافسا مختلفا في لعبة الشطرنج، حيث واجه برنامج ستوك فيش وهو أقوى برنامج في الشطرنج حتى آخر عام 2017، إذ يعتمد على الذكاء البشري في خوارزمياته التي وضعها مبرمجون بشريون.

كانت نتائج ألفا زيرو صادمة فعليا، حيث تمكن من إلحاق هزيمة نكراء بـ ستوك فيش. بعد 4 ساعات فقط من التعليم المعزز، قام خلالها باللعب ضد نفسه رأى ألفا زيرو لعبة الشطرنج كما لم يرها البشر من قبل.

الفرق بين البرامج التقليدية والذكاء الصناعي :

كشفت الهزيمة النكراء التي تلقاها ستوك فيش ضد ألفا زيرو، عن بداية تشكل هوة عميقة بين البرمجة التقليدية والبرامج المبنية على التعلم التلقائي.

  • البرمجة التقليدية مبنية على وضع مجموعة محددة من الاحتمالات، لتقوم الآلة بتقديم إجاباتها بناءً على ما تم تلقينه لها.
  • الذكاء الصناعي الحقيقي يقوم على تمكين الآلة من المعطيات المتوفرة، لتقوم بمفردها ببناء تصور وإعطاء نتائجها الخاصة.
وهنا تكمن خطورة الذكاء الصناعي :

“هل ستصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي حارس البوابة الذي يقرر هوية الشخص المؤهل للحصول على الرعاية الصحية، ومَنْ يحق له الحصول على وظيفة أو رهن عقاري؟” سليل شيتي الأمين العام لمنظمة العفو الدولية.

الجانب المظلم من الذكاء الصناعي :

يتميز الجنس البشري، عن بقية الكائنات بحيازته لذكاء مكنه من بناء حضارة لم يبلغها غيره على الكوكب الأزرق. ومن أهم أسباب تفوقه هو شكه الدائم في المسلمات والفرضيات، فكيف له أن يسلم بنتائج الذكاء الصناعي؟

طريقة عمل مبهمة :

لا يعرف مطورو برامج ديب مايند، والمشرفون على برامج ألفا زيرو وألفا غو فعليا كيف “يفكر” البرنامج وكيف يصل إلى نتائجه. كل ما نعرفه أن أنظمة التعلم المعزز تقوم على خوارزميات “Artificial neural network” والتي تحاكي بعض الشيء عمل خلايا المخ. حيث يتم بناء مجموعة من الطبقات (layers) تتبادل المعلومات في ما بينها ليتم بناء روابط ذات معاني، لا نستطيع تعقبها أو معرفة طريقة عملها.

لذلك يمكن اعتبار الذكاء الصناعي اليوم صندوقا أسود، نقدم له البيانات ليمدنا بالنتائج، لكن لا نعرف معدلات الخطأ عنده، أو مدى إمكانية الثقة فيه. فهل يمكن على سبيل المثال أن نجعل الذكاء الصناعي المبني على التعلم الذاتي يتحكم في المفاعلات النووية والبرامج البحثية؟

“فهم مارك زوكبيرغ للذكاء الاصطناعي محدود” إيلون ماسك.

متطلبات عالية:

لبناء برنامجك الخاص والمبني على الذكاء الصناعي، فأنت تحتاج إلى دورات بسيطة في البرمجة، وإلى حاسوب فائق وبيانات ضخمة لتعليمه (إذا كنت من المهتمين بفكرة التعلم التلقائي). أما إذا كنت تريد انتهاج طريق التعلم المعزز فعليك أن تختار الموضوع المناسب وأن تعمل بجد أكثر على كتابة أكواد البرنامج، فضلا عن حيازة الحاسوب الفائق.

ولعل هذا ما يفسر التكاليف العالية للبرنامج والتي ناهزت الـ 25 مليون دولار بالنسبة لـ ألفا غو زيرو، الأمر الذي يجعل العمل على الذكاء الصناعي نخبويا جدا، وبعيدا عن أيادي شعب المبرمجين، فالبيانات الضخمة والحواسيب الفائقة لم تكن يوما متاحة بالمجان.

نتائج قوية لكن غير مطلقة :

رغم تفوق برنامج ألفا زيرو الساحق، إلا أن هذا لا يعني بلوغه الحقيقة المطلقة أو الفهم المطلق للعبة الشطرنج أو الغو. كل ما يمكننا قوله، هو أن الذكاء الصناعي نجح في الوصول إلى مستوى أبعد من كل المستويات التي بلغها الإنسان منذ تبنيه للتفكير المجرد.

وهذا يعني أن عمليات التطوير المتواصلة قد تجعلنا نبدو أكثر غباء مقارنة بالذكاء الصناعي الذي نعجز اليوم عن تفسير اختياراته التي نراها ذكية دائما.

قوة جبارة في يد أقلية :

يحتاج الذكاء الصناعي إلى البيانات بصفة أساسية، خاصة إذا تعلق الأمر بمواضيع اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية. لكن هذه البيانات غير متاحة للجميع، بل هي حصرية في يد عدد صغير من الشركات العملاقة والتي تعمل على اقتناء كل البيانات التي تخص شتى المجالات، من مواقع تواصل وأنشطة تجارية واقتصادية ومضاربات في البورصة.

هذا الوضع سيجعل مستقبل الجنس البشري في يد أقلية تمكنت منذ عقود من السيطرة على البيانات المتدفقة على الشبكة، وبناء نظم قوية تعالج البيانات الضخمة والتي لا تستطيع حتى بعض الحكومات الوصول إليها.

“اتضح في التقارير الصادرة مؤخرا، تأثير الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة Big Data على الانتخابات الأمريكية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي” سليل شيتي.

مستقبل رمادي :

شئنا أم أبينا، الذكاء الصناعي سيأخذ في المستقبل مكانا كبيرا في حياتنا. فالقيادة الذاتية للسيارات وعناكب الشبكة (Web crawler) وحتى مواقع التواصل الاجتماعي كلها تمثل البداية فقط لعصر جديد، ليس الإنسان فيه المتحكم الحقيقي بعالمه.

مواقع التواصل الاجتماعي اليوم تتحكم في الأخبار التي تعرض أمامك، وتختار الإشهارات التي تناسبك، وتحاصرك في عالم افتراضي لتبقى فيه أكثر وقت ممكن. حياتك اليوم مختلفة لكنها ستزيد اختلافا وغرابة في المستقبل المنظور، فهل ستلم البشرية بحقيقة وجود ذكاء يتجاوزها بمراحل؟ وهل يكفي التفوق في الذكاء لتمكين الذكاء الصناعي من مقاليد حياتنا العلمية والصناعية والثقافية وحتى الفنية؟

“الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤذن بنهاية الجنس البشري” ستيفن هوكينج.

حوصلة :

الذكاء الصناعي اليوم ليس سوى نواة أولية لقاعدة ستكون أكبر بآلاف المرات. حيث تعتزم شركة ألفابت (الشركة القابضة لـ جوجل) أن يهتم الذكاء الصناعي بالبرمجة والطب والأبحاث في مجالات صناعة الدواء ومحاكاة التجارب الكيميائية المعقدة والتي تتطلب آلاف السنوات. كل هذا قد يسحب البساط من تحت أقدام البشر، لأن دور القيادة والمراقبة لا يمكن أن يكون من طرف الحلقة الأضعف أو غير القادرة على استيعاب الحقائق والمفاهيم العامة لمدارات البحث.

على الجهات السيادية والأكاديمية في العالم العربي أن تهتم اليوم، وليس غدا، بإعادة هيكلة العمل في مجالات تقنيات الاتصال والذكاء الصناعي، فالذكاء الاصطناعي هو بطاقة عبور لمستقبل أفضل، ولسد الهوة الرقمية التي قد ندفع ثمنها غاليا لو بقينا في الجانب غير الفاعل.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!