متى تكون النمطية مع التنمية البشرية و متى تكون ضدها؟

النمطية هي مصطلح يعبر عن اختصاص شيء معين بصفات معينة، و يمكن أن يكون هذا الشيء بلدا معينًا أو منطقة معينة أو أي شيئ
4.5 (2)

النمطية هي مصطلح يعبر عن اختصاص شيء معين بصفات معينة ، و يمكن أن يكون هذا الشيء بلد معين أو منطقة معينة تتميز بصفات شكلية ثابتة لا تتغير بمرور الزمن ، كما يمكن أن تعبر النمطية عن برنامج معين أو فكر أو عمل فني له شكل ثابت …
لكن النمطية لها أضرار خطيرة جداً ، فيمكن – مثلاً – أن تكون فكرة تعمل وسائل الإعلام على غرزها و تأكيدها في عقول المتابعين لها ، و في الغالب تكون الفكرة الموجهة خلاف الواقع و تسعى لغرز فكرة خاطئة من أجل توجيه فكر الناس لجهة معينة تسهّل – فيما بعد – تحريكهم كيفما يشاء من غرز فيهم هذه الأفكار . و الأمثلة أمامنا واضحة جداً ، نتخير منها أشهرها و هي الأفلام التلفزيونية و السنيمائية ، فتجد الأفلام حينما تصور المجتمع العربي الخليجي تصوره على أنه مجتمع منغلق متشدد مما يغرز تلك الفكرة في غقل المشاهد بل و عقل المواطن الخليجي نفسه فيتعامل هذا و ذاك على هذا الأساس ! بينما تصور تلك الأفلام المجتمع المصري و الشامي على أنه مجتمع متحرر كثيراً تُقدم فيه المرأة على الرجل ، و الحرية على الدين ، مما يغرز أيضاً تلك الفكرة في غقل المشاهد و المواطن فيتصرفان أيضاً على نفس الأساس ، و هذا الأمر – سواء كان مقصود أو غير مقصود – له أثر سلبي كبير ، فهذا التنميط يسبب تفرقة عنصرية كبيرة ، كما يوجه بوصلة العقل إلى طريق واحد حينما يتعامل مع أحد أهل هذا البلد أو يسافر إليها للعمل أو السياحة ، فالتنميط يسلط الضوء على بؤرة واحدة و يغفل عامداً عن بقية البؤر ، ثم يضخم هذه البؤرة و يكررها حتى تطغى – فكرياً – على عقل المشاهد و المستمع ..

ماذا عن إيجابيات التنميط ؟

… يمكن أن يكون التنميط وسيلة فعالة جداً من وسائل التنمية البشرية العلاجية ، فلا ننسى أن ارتباط الخضرة و الحديقة و الهواء الطلق بانشراح الصدر و هدوء النفس هو نوع من التنميط ، كذلك ارتباط الشاطئ و البحر بالاسترخاء و الراحة هو نوع من التنميط . فيمكن استغلال هذه الصور في تهدئة النفس المضطربة حينما تضطر لخوض تجربة جديدة أو غريبة . أذكر أنني كنت في فريق العمل المسئول عن أشعة الرنين المغناطيسي – و هو جهاز أشعة عملاق اسطواني الشكل تقريباً يستلقي فيه المريض على سرير متحرك ثم يدخل جزء منه أو كله في قلب الجهاز – و كان المطلوب فحص مريضة شابة تعاني من فقد البصر دون سبب مفهوم . دخلت غرفة الفحص ، و استلقت على السرير ثم دخل بها سرير الفحص في قلب الجهاز تماماً ، و في بداية التصوير كانت تشعر بتوتر شديد و تحرك رأسها بقوة مما أفسد الفحص ، فأوقف الفني الجهاز ثم دخل غرفة الفحص لينبهها بضرورة الثبات وعدم الحركة ، لكنها كانت متوترة بشدة و طلبت الخروج و عدم إتمام الفحص ، فدخلت الغرفة لأُطمئنها ، لكنني لم ألجأ إلى الطريقة التقليدية ، و إنما طلبت منها أولاً أن تأخذ نفساً عميقاً و تكتمه لثوانٍ ثم تخرجه ببطء ، ثم قلت لها أن أغمضي عينيكي – برغم أنها لم تكن ترى تقريباً إلا أن إغلاق العينين يعطي شعوراً بالانفصال عن الواقع أكثر حتى و لو لم يكن الإنسان يرى – ثم تخيلي أنك لست في غرفة الفحص و أنك الآن مسترخية في حديقة واسعة و الأصوات التي تسمعينها – أصوات الجهاز – هي أصوات سيارات في الشوارع التي حولك …..ثم خرجنا من الغرفة و تركنا معها والدتها و تم الفحص بهدوء و سلاسة ! الفكرة هنا أنني استخدمت الارتباط النمطي للحديقة و الخضرة و الهواء الطلق بالشعور بالراحة و الاسترخاء ، و هو ما يُسمَّى في علم تطوير الذات بالتخيّل الابتكاري . هنا تكون النمطية نافعة و إيجابية و تهيّء العقل البشري بالتهيئة المناسبة لاستقبال خبرة جديدة عليه .
إذاً فالنمطية سلاحٌ ذو حدين ، فهي ليست دائماً ضارة أو مملة ، و ليست دائماً نافعة و صالحة لتحسين الفكر الإنساني ، و إنما تعتمد على الهدف منها و طريقة استغلالها .

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!