تجربتي في الانقطاع عن الحديث لمدة أسبوع

تجربة رائعة عن التأمل والانقطاع عن الحديث مدة أسبوع ترويها امرأة أسترالية بعد أن سافرت إلى تايلندا.
4.5 (12)

لقد تواصلنا مؤخرًا مع شيرل صاحبة مدونة (Handcrafted Travellers) وبينما كنا نناقش كيف أن كل واحدة مننا تعلمت تقدير البساطة، تذكرت فيرونكا تجربة قامت بها منذ سنوات قليلة في تايلند وهي ألا تتحدث لمدة أسبوع. طُرحت هذه التدوينة بداية في (Handcrafted Travellers).

كنتُ أجلس على مكتب عملي في أستراليا وأنا مرهقة ومنهكة كليًا، لم يكف عقلي عن التفكير بحاجتي لاستراحة من الحياة، وفجأة غلبني شعور، بأنه يجب أن أذهب إلى مدينة شنغماي في تايلند، وبينما كنت أبحث عن مدينة شنغماي كان يظهر كثيراُ مركز دوي سوثيب فيباسانا للتأمل (Doi Suthep Vipassana Meditation Center) ولأنني وقتها لم أكن أريد التحدث لأي شخص، بدت لي فكرة أن أقضي أسبوعًا واحدًا في التأمل والصيام عن الكلام وتناول طعام نباتي ممتازة للغاية.

وصلتُ إلى المركز بعد أسبوعين، كنتُ غير منظمة كليًا وأحمل معي الكثير من الأمتعة، وعندما كنت أصعد السلالم الثلاثمائة وتسعة التي تصلني إلى المعبد وأنا أحمل حقيبتي التي تزن ٣٠ كلغ، بدأت أدرك ما الذي قد وضعتُ نفسي فيه، فقد سافرتُ من بيئة ملوثة كليًا إلى مكان تأمل هادئ، لم أكن أعلم حينها أن هذه الرحلة ستكون كل شيء آخر عدا أن تكون تجربة للاسترخاء والتوازن.

روتين يومي بسيط

كنتُ أبدأ أيامي في الخامسة صباحًا، ثم نبدأ بترديد الترانيم في الخامسة والنصف، ونتناول الإفطار في السابعة، ثم نمارس التأمل ونحظى بوقت فراغ حتى وقت الغداء في الحادية عشرة، وبعد الغداء نبدأ بالتأمل مجددًا، مع علمنا بأن وجبة الطعام التالية ستكون وجبة إفطار يوم غد، وفي وقت ما بعد الظهيرة نحظى بعشر دقائق للتحدث مع معلمنا، وكانت تلك اللحظات الوحيدة في اليوم التي يُسمح لنا فيها بالتحدث. كنا نقضي ليالينا في الترديد الجماعي للترانيم والتأمل قبل أن نخلد إلى النوم. كل يوم.

٣ تمارين للتأمل وعدم التحدث لأي أحد

لحُسن الحظ لن تُترك وحيدًا، ففي كل يوم يرشدك المعلم ويخبرك بكيفية تطوير أساليبك. في ذلك الوقت كنتُ مبتدئة، لذا نصحني بالتدرب على ٣ أساليب للتأمل: المشي والجلوس والاستلقاء. لكل أسلوب ٢٠ دقيقة في كل مرة، وكان يُسمح لي بالتحدث إن احتجتُ ذلك، ولكن لم تكن هنالك فرصة لذلك حيث أن جميع من كان في المركز لم يسمح لهم بالتحدث أيضًا. وكان يحظر تمامًا استخدام الهاتف أو الحاسوب المحمول أو أي أجهزة أخرى.

بداية سهلة

في اليوم الأول اعتقدت أن تحمُل الجوع سيكون أصعب جزء في هذه التجربة، مع ذلك لم يكن الأمر بذلك السوء، لكن مع التأمل طوال اليوم والتأكد من شرب ما يكفي لم أشعر بالجوع طيلة اليوم، بالإضافة إلى أن الوجبات كانت بسيطة جدًا، لذا حرصتُ على الحصول على ما يكفي لجسمي من مكملات الفيتامينات والمعادن.

الألم المتزايد

كنت أقضي في اليوم ما يقارب ٥ـ٦ ساعات بالتأمل، لذا فقد كنت أشعر بالألم في جسمي كله، وعقلي بدأ يجنّ في اليوم الثاني. كنت أشعر بالألم في ساقيّ وظهري عندما أجلس جلسة القرفصاء، ولم ينفك عقلي عن مناقشة مواضيع سخيفة، ثم بدأ بمعاقبتي: “لمَ تفعلين هذا بنفسك؟” “لم تضيعين وقتك بالقيام بهذا وأنتِ في تايلند؟” “تعلمين أنكِ تستطيعين المغادرة في أي وقت.” “العمل ينتظرك، هنالك العديد من الأشياء المهمة التي يجب إنجازها!”، كنتُ بحاجة شديدة للتحدث مع من هم حولي، كنت أريد معرفة ما إذا كانوا يشعرون بالمِثل، كنت أسأل نفسي باستمرار: “هل ما يحدث لي أمر طبيعي؟”

فقدان توازني بصمت

في اليوم الثالث شعرتُ بأنني فقدتُ توازني تمامًا، كنت منزعجة، وأردت الذهاب خارجًا وفعل شيء ما أو التحدث مع الناس عن قصصهم أو تناول الطعام التايلندي اللذيذ أو اللعب مع الفيلة، لكن بدلًا من ذلك كنتُ عالقة في هذا المعبد، بدأت بتصديق عقلي وأحسست بأنني أضيع وقتي، كان عقلي غاضبًا، لكن المعلم أخبرني بأنني في الطريق الصحيح، وعلي أن أتدرب. لم يكن ذلك كافيًا لتهدئة عقلي، حيث أنني أردتُ الخروج من ذلك المكان فقط.

تجاوز المصاعب بالتغاضي

قد ألزمتُ نفسي بتجربة هذا الأسبوع ولم أُرِد أن أستسلم، كنت أمرّ بمعركة داخلية لمدة ثلاثة أيام، لكن في اليوم الرابع حدث لي أمر غريب، كنت قد سئمت من هذا المعترك الداخلي، وتوصلتُ إلى أنني سأتغاضى وأتقبل كل ما أمرّ به، أن أتقبل الألم، وأن أتقبل عقلي الغاضب، وأتقبل وجودي في بيئة بسيطة، استسلمت وتنفست.

كان ذلك عندما بدأت برؤية الجانب الرائع من هذه التجربة والإحساس به، فجأة قد ظهر لي عالم حجبه الغضب والمعارك الداخلية، حينها استطعتُ أن أعيش اللحظة وأن أركز على تنفسي، واستطعت أن أتوقف عن التفكير. بدأت أرى القردة تلعب على الأشجار، وأشتمّ الهواء النقي، وأشاهد سطوع القمر الرائع، وأشعر بأشعة شمس الصباح تلامس بشرتي. فجأة بدى لي العالم إيجابيًا وجميلًا وهادئًا جدًا، وقد تلاشى غضبي الداخلي رويدًا رويدًا، لم يكن هنالك شيء يقلقني. شعرتُ بالهدوء والسلام الداخلي.

تجربة رائعة وغير متوقعة

بعد أن قضيتُ أسبوعًا كاملًا أتعارك فيه مع نفسي داخليًا، تعلمتُ التغاضي والتقبل، وأنه يجب ألا تدع عقلك يتحكم بك، بل يجب أن تتحكم أنت به، إن العقل كالقرد الذي يحتاج دائمًا إلى موزة ليهدأ. أيضًا قد علّمني هذا الأسبوع كيف كان عقلي يتحكم بي، وكيف يمكن أن يكون مخطئًا وقاسيًا.

قد ساعدتني هذه التجربة بأن أعيش الوقت الحالي، فساعدني التأمل بأن أركز على نفسي بدلًا من الانشغال في حياة الآخرين أو ماضيهم أو مستقبلهم، كانت تملؤني السعادة عندما غادرت المعبد، وبعد يومين فقط بدأ جسمي يحن للتأمل، والسلام والبساطة، واستطعتُ أن أستمتع بمغامراتي التالية أكثر من خلال التدرب على عيش حياتي بذهن يقظ.

لن يمنحك التأمل أي معجزة، فلن ترى أشباح يخبرونك بأرقام اللوتو الرابحة، ولكن بالمقابل سيعلمك الكثير عن نفسك. إنني أوصي أي شخص بشدة بالقيام بهذه التجربة، إن الخبرة والنتائج التي جنيتها من عدم التحدث لمدة أسبوع كانت مختلفة كليًا عمّا كنت أتوقع، لم تكن تجربة استرخاء أبدًا، ولكن إن هذا الأسبوع الصامت قد غيّر حياتي، وآمل أن تغير حياتك أيضًا.

من أقوال زِن “يجب أن تمارس التأمل لمدة ٢٠ دقيقة كل يوم، إلا إن كنت منشغلًا جدًا فعليك حينها ممارسته لساعة.”

مترجم

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!