كيف تجعل الروتين مفتاحك للنجاح والإنجاز؟

يخطئ الكثيرون حين يعتقدون أن الروتين شيء سلبي على الدوام ، في حين أن أعظم الإنجازات نحققها حين نلتزم بروتين حازم ودقيق
4.6 (18)

اقترنت كلمة روتين فى مخيلة الكثيرين بعدد من الأمور السلبية فى مجملها؛ فبمجرد ذكر كلمة روتين قد يقفز إلى الأذهان معنى الملل والضجر من تكرار نفس الأشياء يومياً، وقد يتبادر إلى الذهن مثلاً ذلك الإيقاع البطيء فى إنجاز المعاملات والأوراق الرسمية، وفي أحسن الأحوال قد يتذكر الشخص ذلك الشعور الذى ينتابه مع نهاية أسبوع كامل من العمل وتلهفه لإجازة نهاية الأسبوع.

إذن فكلمة (روتين) لدى الكثيرين هى مرادف لمعانٍ سلبية من الملل والرتابة والتكرار والاعتياد. قد يكون من المضحك أن تتخيل شخصاً يتحدث عن الإيقاع التكراري لشيء معين فى حياته فيقول: (ما أجمل هذا الروتين) أو (لقد أحببت هذا الروتين) أو (الروتين هو سر نجاحي).

كلها جُمل قد يبدو فيها التهكم لكن بالفعل هي ليست مزحة؛ وهناك أشخاص في واقعنا المعاصر يرددون جُملاً مثل هذه تعبيراً عن الدور الرئيس للروتين فى إدارتهم لحياتهم بنجاح، بل ويحفزون غيرهم على الالتزام بهذا الروتين الذى يمدحونه.

أصل كلمة (روتين) واستخداماتها

كلمة (روتين) من أصل فرنسي وإن تم احتضانها لاحقاً فى اللغة الإنجليزية أيضاً لبلوغ نفس المعنى، والأصل فى كلمة روتين هو Routine  وهو مركب من Route والتى تعنى الطريق وIne التى تفيد التصغير، والمعنى الإجمالي هو الطريق الصغير الذي اعتدنا اتخاذه دونما تغيير منذ الماضي وحاضراً ومستقبلاً. وفي اللغة الإنجليزية تعني الكلمة تكرار نفس الشيء على نحو منتظم ونمطي ومتكرر، وهو نفس المعنى الذى يتبادر إلى أذهاننا عند سماعها فى إطار اللغة العربية. وهنا أعقد مقارنة بين استخداماتنا للكلمة وبين استخدام الغرب لها، والمقارنة هنا للاستفادة وللوصول إلى تعديل بعض القناعات عن أشياء ترتكز عليها حياتنا ومع ذلك قد لا نحسن التعامل معها بما يحقق لنا تجويد هذه الحياة وتطويرها بل والاستمتاع بها أيضاً.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

اعط نفسك فرصة لمتابعة بعض الشخصيات الغربية الرائدة عن كَثَب وليكن عبر موقع اليوتيوب أو عبر المواقع الإلكترونية والمدونات الشخصية فستجد أنهم غالباً ما يستخدمون كلمة (روتين) على نحو متكرر ويقرنونها بمهام وتفاصيل حياتهم اليومية؛ فعند شروع أحدهم فى بداية يومه بكتابة المهام والأهداف الخاصة بهذا اليوم، تجد أحدهم يكتب في تقسيم اليوم (روتيني الصباحي My morning routine) ثم يحدد مهامه للصباح، أو يكتب روتيني المسائي ويحدد مهامه للمساء، وهكذا مع الأعمال الأسبوعية والشهرية تسير الأمور على نفس النسق.

وفي إدارة المنزل، تجد السيدة منهن ترتب أمور منزلها وتديره وفقاً لروتينات ثابتة؛ فلديها مثلاً روتين يومي للتنظيف يحتوي مهاما محددة، ولها وقت يومي محدد لا تتعداه Daily cleaning routine، وروتين لغسل الملابس تحدد له وقتا ثابتا من اليوم أو الأسبوع Laundry routine، ولديها روتين للعناية بأطفالها وقضاء وقتهم فيما ينفع Homeschooling routine، ولديها روتين أيضاً للعناية بنفسها وبشرتها skin care routine.

وهكذا في كافة تفاصيل الحياة هناك نظام ثابت لكل الجوانب ولكل التفصيلات، بل قد تجد أحدهم ممن يمتلك حسابات شهيرة على مواقع التواصل الاجتماعى ينشر لمتابعيه محتوى بعنوان (انشئ روتينك الخاص Create your routine )، وحقيقةً أؤمن بأهمية أن تسير الحياة وفق (الروتين) الذى هو بالنسبة لى يعني؛ النظام، الالتزام، والإنجاز، وقد ضربت الأمثلة السابقة لأشخاص نجحوا في تسيير حياتهم وفق روتين خاص فحصلوا فى المقابل على الكثير من الإنجازات، لذا أحاول هنا فى هذه المساحة أن أصل مع القارئ إلى قناعة مشتركة بأهمية تسيير حياتنا وفقاً لروتين واضح، وقد اتفقنا فى بداية المقال أن كلمة روتين ليست بالضرورة مرادفاً للملل والرتابة، ولكن دعونا نجعلها مرادفاً للإنجاز والنجاح.

الروتين صديق الإنجاز والنجاح

فلو افترضنا أن شخصاً ما قام بإنشاء روتينه الخاص؛ فحدد لنفسه مهاماً واضحة ووزع تلك المهام على مدار يومه، ثم التزم بنفس المهام يومياً ولمدة شهر مثلاً، مؤكد أنه بعد نهاية الشهر سوف ينظر إلى حياته فيرى كماً كبيرًا من الإنجازات والقيمة المضافة قد ملأت فراغ هذه الأيام. فلنفترض، على سبيل المثال، أن ذلك الشخص قد حدد لنفسه ساعة للقراءة اليومية، وساعة لممارسة الرياضة وساعة لممارسة هوايته المفضلة ووزع تلك الساعات على مدار اليوم واعتمد هذا روتيناً لحياته.

لك أن تتخيل مقدار الإنجاز والقيمة المضافة التي سيشعر بها مع مرور الأيام وانقضاء الشهور، ثم ماذا لو انسحب هذا الأسلوب على حياته كلها؛ فصارت أموره مرتبة بنفس الأسلوب، بالتأكيد من يفعل ذلك سيضيف لحياته حيوات متعددة؛ فما حياتنا إلا أيامنا التى نحياها وكل يوم هو فرصة للإضافة والنجاح والإنجاز، ولكن إذا سارت الأيام سيراً عشوائياً دون تنظيم – أو دعونا نقول دون (روتين) – فكيف لنا أن ننجز ونضيف ونتفاعل مع الحياة؟

وبالعودة إلى كلمة روتين؛ أي اعتياد فعل نفس الشيء على نحو منتظم، فسوف نجد من روائع ديننا أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد حفزنا لاعتياد هذا الأسلوب في حياتنا؛ فقد ورد في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (فقد سُأل صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومها وإن قل).

ماذا تعني كلمة “أدومها” فى الحديث الشريف السابق؟ بالطبع هي من الدوام والاستمرار وفعل نفس العمل على نحو منتظم ومتكرر دون انقطاع، وقد ورد أيضاً في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنه قيل لها: (هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختص من الأيام شيئاً؟ قالت: لا، كان عمله ديمة، وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق!).

وقد وردت كلمة ديمة فى معجم لسان العرب بمعنى المطر الدائم فى سكون. فمعنى كلمة ديمة فى الحديث السابق: الدوام والاستمرار، ولذلك أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب إذا عمل عملاً أن يثبته، فالاستمرار على الخير والعادات الجيدة وتثبيتها هو نعمة كبيرة، ولذلك عاب الله سبحانه وتعالى على الذين يغيرون وينكثون فى عهودهم وعقودهم حيث قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الفتح (10).

وقد كان نهج صحابة النبى صلى الله عليه وسلم التزام الخير والاستمرار عليه، فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات مرة دعاءً يقوله في الليل قائلاً إنه خير لك ولزوجك من خادم: (إذا أويتما إلى فراشكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين فإنها خيرٌ لكما من خادم). قال علي رضي الله عنه، فما تركتها منذ سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل له: ولا ليلة صفين؟ (وهي الليلة المعروفة التي وقعت فيها الحرب)، قال: ولا ليلة صفين؛ ذكرتها من آخر الليل فقلتها.

إذن، المداومة على الأعمال بانتظام واستمرار وديمومة هي مبدأ أصيل فى ديننا الحنيف، وهي من مفاتيح النجاح، حيث تضيف لنا إنجازات بسيطة تتجمع على نحو يومي أثناء ممارستها كروتينٍ ثابت لتشكل لنا في النهاية إنجازاً كبيراً ونجاحاً نراه واضح الملامح بعد فترة زمنية ليست بالطويلة.

الروتين، إذن، له وجه آخر يختلف تماماً عن الوجه السلبي الذي يزعج الكثيرين، وبرأيي أننا يجب أن نكسر هذا المعنى السلبي للروتين الذي تغلغل في نفوس الكثيرين، فانتظامنا في أمور حياتية يومية أو مهام نؤديها كروتين يومي دائم ومستمر لا يعني بالضرورة أن ندخل في دوامة من الملل والضجر، فبقليل من التنظيم نستطيع أن ندير يومنا بشكل يمكننا من استثماره والإنجاز فيه دون الوقوع فريسة للملل، فتوزيع المهام على اليوم وأخذ قسط من الراحة بين المهمة والأخرى والحرص على الابتكار فيما نفعله من مهام وإدخال الأشياء المحببة كالهوايات والأنشطة إلى روتيننا اليومي، كل هذه الأشياء من المدعمات التي تساعدنا على الاستمرار في الأعمال وعلى الاستمتاع بالجانب الإيجابي لكلمة (روتين).

مارأيك الآن أن تمسك بدفتر صغير وقلم وتبدأ في تحديد أهدافك وتوزيعها على الأيام وتنظيم يومك تنظيماً فعالاً، ثم الانتظام والمداومة على تنفيذ تلك الأهداف؛ فتكون بذلك قد قمت بإنشاء روتينك الخاص؟

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!