كيف تقاوم توافه الأمور وتحافظ على كرامتك ووظيفتك في العمل؟

العمل هو المكان الذي نقضي فيه ثلث اليوم تقريبًا والذي نواجه فيه الصعوبات والنجاحات وكذلك لحظات الفشل وكثيرا من الكلام الفارغ
0.0 (0)

هل سجلت أي انتصارات أو انهزامات واجهتها إزاء توافه الأمور في العمل؟ ضللتُ طريقي في الفندق بحثاً عن قاعة المؤتمرات التي ستقام فيها ورشة عمل عن الإبداع، وعندما عثرت عليها، انضممت للآخرين، وجلست القرفصاء على الأرض، وما لبث أن حضر المدرب وكان رجلا متقدما في العمر من الهيبيين(1)، وقال: “خذوا جولةً حول الغرفةِ وعرِّفوا بأنفسكم، لكن دون التفوّه بالكلمات، وبعد عدة دقائق من الإيماءات المجنونة، طلب منا التوقف، وأشار إلى أوراق التلوين قائلاً: “انتقوا ورقة وباستخدام هذه الألوان السحرية، اصنعوا بها صوركم الخاصة”.

وبعد ثلاثين دقيقة، طلب منا تبادل الرسومات بعد تلوينها، فرَمَزَت امرأةً لطبيعتها العاطفية بتلوين رسمتها باللون الأحمر، ورمز رجلٌ لنظرته السوداوية للحياة بتلوين رسمته باللون الأسود، وامرأة أخرى وجدت الكلمات لا تصف شعورها بالقدر الكافِ فرقصت حول رسمتها، وبمغادرتنا للقاعة التي انعقدت فيها ورشة العمل قالت لي أحدي المشاركات بصوت منخفض: “يا له من هراء”.

تشجع العديد من المنظمات حول العالم موظفيها على حضور نشاطات غريبة لا علاقة لها بالعمل، ولقد حضرت ورشة في مقر العمل، وتعلمت فيها قرع الطبول الإفريقي، وطريقة إخراج أصوات من الفم شبيهة بالآلات الموسيقية، وسمعت عن بعض المنظمات التي تشجع موظفيها على المشي فوق الجمر، أو أخذ دورات في الهجوم العسكري، أو قيادة قارب باتجاه منحدرات خطيرة، وهناك أيضا بعض المنظمات التي تجبر موظفيها على المشاركة في عرض ملابس داخلية أو في برنامج تجارب ضنك-الغابات (bush-tucker trial) بأكل حشرات، أو في تمثيل قصص خيالية بارتداء لباس حيوانات ضخمة.

أما عن زميلتي الساخرة التي وصفت ورشة العمل (بالهراء)، فقد اختارت كلمتها بحكمة، فقد عرَّف الفيلسوف هاري فرانكفورت في جامعة برنستون الهراء بأنه الحديث الذي يفتقد للمصداقية، فالكذب يحجب الحقيقة، أما الهراء فهو حديث فارغ وليست هناك أي علاقة تربطه بالحقيقة.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

كانت ورشة العمل مليئة بالعديد من الخزعبلات، فقد كانت خالية من الحقائق ومليئة بالأفكار المجردة، فانتقلت العديد من الكلمات الرَّنَّانَة على أسماع المشاركين كمثل ‘المصداقية’، ‘وتحقيق الذات’، ‘والإبداع’، وأجده مستحيلا أن أعزو معنى لهذا الكلام الفارغ، فكلما حاولت ذلك، أصبح الحديث أقل صواباً، ولذلك سايرت الأمر بأدب خلال الورشة.

بعدما أمضيت ما يقارب العقد في دراسة الأعمال والمنظمات، أؤكد لكم بأن ردي – تجاه النظريات المجردة والأحاديث الفارغة – سيكون بالالتزام بالمعايير والعادات الاجتماعية السائدة، وسيؤيّدني في قراري الفاشل هذا الكثير من الناس، وذلك لأسباب عديدة، بل من أهمها الأدب والأخلاق، حيث يعد البعض الكلام الفارغ بمثابة الزيت الذي يليّن عجلات مخالطة الآخرين. إن مسألة الهراء هي طريقة أكيدة لتفقد فيها الأصدقاء وتبعد عنك الأشخاص، وحتى لو شعرنا بأن ما قيل بعيد عن الحقيقة، فلنتجاهله، لنحافظ على الود، ولنتجنب الصراعات، فغايتنا هي سلاسة الحوارات في تفاعلاتنا الاجتماعية أكثر من التزامنا بقول الحقيقة.

وذكر فرانكفورت بإيجاز في كتابه “الهراء” (عام 2005)، ما حدث بين الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين وصديقته المعلمة الروسية فانيا باسكال، فقد كتبت باسكال: “استأصلت لوزتَيّ وأنا في دار إيفيلين لرعاية المسنين فشعرت بالأسى لحالي”، فرد فيتغنشتاين متذمراً: “أشعر كأني كلب مات دهساً”، ويبدو أن فيتغنشتاين كان مشمئزاً، فعلّق على ذلك فرانكفورت قائلًا: “ولكن ما يدريك بشعور هذا الكلب قبل أن يموت دهساً؟”.

ويبدو رد فيتغنشتاين فظاً وليس غريباً فحسب، ولكن ما الذي دفع فيلسوف عظيم لقول هذا؟ فقال فرانكفورت أن فيتغنشتاين كرّس طاقاته الفلسفية خلال حياته لتحديد ومكافحة ما عدّه نماذج خفيةٍ هدامة من الهراء، وشعر فيتغنشتاين بالاشمئزاز مما كتبته باسكال لأنه (لا يمثل الواقع، ولأنها لم تُبدِ اهتمامًا ما إذا كان ما قالته صحيحًا أو لا)، وإذا تصرفنا بنفس طريقة فيتغنشتاين كلما واجهنا هراءً فستصبح حياتنا صعبةً جداً بحق.

هناك طرق لمواجهة الحديث الفارغ بأدب بدلًا من اتباع طريقة فيتغنشتاين، الخطوة الأولى: أن تسأل بهدوء عما تقوله الأدلة، فهذا من شأنه أن يخفف حدة النقاش حتى لو كانت نتيجة الحوار غير حاسمة. الخطوة الثانية: سؤالهم عن طريقة عمل أفكارهم، فقد وجد الطبيبان النفسيان ليونيد روزنبلت وفرانك كيل في جامعة ييل عند سؤالهم أشخاص عن تقييمهم لحدود معرفتهم بالاحتياجات اليومية كالمرحاض مثلًا على مقياس من ١-٧، قيّم معظمهم أنفسهم من ٤-٥، أما حين طلبوا منهم تقييم أنفسهم بمدى معرفتهم بآلية عمل المرحاض بدقة، نزل مستوى التقييم إلى أقل من ٣، فسؤالك للفارغين المُفْرطين في الثقة عن آلية عمل أفكارهم هي طريقة أخرى لتثبيطهم.

أخيرًا: اطلب من الفارغين توضيح ما يقصدونه. فغالبًا ما يعتمد الفنَّانون في الهراء على أسماء رنَّانة كـ (العولمة والتيسير والمثالية)، فسؤالهم عما قصدوه بهذه الكلمات المنمَّقة كفيل بكشف حقيقة زيفهم للناس.

يعد استجواب الشريك بأدب عن أمر ما، بل إنه خدعة كبيرة والتي ننعتها بسفاسف الزملاء الصغار، تقول العشرات من الأبحاث أن الناس يتقبلون النقد الإيجابي، ويتجاهلون النقد السلبي، ووجد فريدريك أنسيل من الكلية الملكية في لندن أن الناس مستعدون لسماع الحديث السلبي إذا كان مُرَكِّزًا على أمرٍ في المستقبل، لذلك بدلًا من التركيز على حديثٍ فارغ قد حدث في الماضي، من الأفضل أن تفكر كيف يمكنك المساهمة في تقليل ذلك مستقبلاً.

ندرك صعوبة استجوابك لشخصٍ ما عن حديثٍ فارغ تفوّه به، ويصبح الأمر شبه مستحيل إذا صدر مثل هذا الحديث من رئيسك في العمل، وندرك أيضاً أن المنظمات التي تشجع موظفيها على الحديث، تميل إلى الاحتفاظ بهم، وتسعى إلى معرفة المزيد لأداءٍ أفضل، فكيف يمكنك سؤال رؤسائك عن الحماقات التي تفوهوا بها، دون إثارة غضبهم؟ قد قدَّم إيثان بوريس بعض التسويات في دراسةٍ قام بها في جامعة تكساس في مدينة أوستن، فقد وجد أن طريقة طرح السؤال تُحدِث فرقاً كبيراً؛ فالأسئلة التي يبدو فيها التحدي ظاهراً تُقابل بعقوبة، أما الأسئلة التي تأتي في صورة داعمة وراغبة بالمعرفة تُقابل بأذنٍ صاغية. فسيكون من الأفضل أن تقول لرئيسك: “ربما نحتاج أن نبحث قليلاُ لنرى ما تقوله الأدلة”، بدلاً من القفز في وجهه والقول: ” أنا لا أصدق هراءك”.

في المرة القادمة، عندما تواجه هجوماً من حديث فارغ، ربما يكون التجاهل بأدب مغرياً لك، ولكن هذا في الحقيقة يمنح الفارغون وقتاً ومساحة لتمرير تفاهاتهم، أو ربما ترغب في اتباع أسلوب فيتغنشتاين الهجومي في الرد، للأسف غالباً هؤلاء الفارغون محصَّنون ضد الهجوم المباشر، إن التكتيكات الفعالة في محاربة الكلام الفارغ تبدو خدعة ملتفة تحيطهم حيث أن طرح أسئلتك هي كقرصات استنتاجية، وتُعد طريقةً فعّالةً في مواجهتهم وتغيّرهم للأفضل، عوضاً عن الجدال الذي يركِّز على القشور فقط.


(1) الهيبي: شخص في أواخر الستينات رفض القيم المعترف بها وقواعد المجتمع وغالباً ما يعبّر عن هذا الموقف عبر الملابس والسلوك غير التقليديَّيْن. [المترجمة]

(2) ماندالا: رمز من الأشكال الهندسية الدائرية والتصاميم المعقدة (لدى البوذيين والهندوسيين) والتي ترمز إلى الكون. [المترجمة]

(3) برنامج بش تاكر ترايل: برنامج واقعي استرالي، يتنافس فيه المشاهير في إنهاء بعض المهام للحصول على الطعام، وقد تكون احدى هذه المهام هي أكل الحشرات أو حيوانات، وكلما أكمل المتسابقون المهمة، حصلوا على طعام أكثر تحضراً. [المترجمة]

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!