أثر قوقل أدسنس على جودة المحتوى العربي

تسببت إعلانات قوقل في ظاهرة مزارع المحتوى التي لا هم لها إلا كسب آلاف الزيارات لجني الأرباح عبر قوقل أدسنس ولو بالتضليل
4.5 (8)

بدأ المحتوى العربي على الشبكة خجولا وساذجا يحمل تجارب بسيطة ومعلومات متناثرة هنا وهناك تعبر قبل كل شيء عن خصوصية العالم العربي المحافظة والملتزمة. لا يذكر المستخدمون الجدد بوابة الغريب أو كاريكاتير “أبو العبد”، أو منصة المشاغب للبرامج، فكلها كانت مواقع هدفها الأول إيصال فكرة أو الدفاع عن مبدأ مهما كان غارقا في الخصوصية أو الشخصية. لكن اليوم أصبح المحتوى العربي في الويب عملية إنتاج منهجية تهدف إلى إرضاء المستخدم والتوسل إليه ليبقى أطول فترة ممكنة على الموقع، حتى أصبحت عملية صناعة المحتوى شبيهة بظاهرة حمى ذهب كلوندايك. ولعل أهم أسباب هذه الطفرة هو الحلم بالثروة الموعودة، عبر أدوات الإشهار على الشبكة وعلى رأسها قوقل أدسنس. هذا المقال لا يهتم بطرق تفعيل أو دعم المرابيح من أدسنس، لكنه سيهتم بالإشارة إلى النتائج السلبية التي تركها هذ النظام على المحتوى العربي خاصة.

مزارع المحتوى (Content Farms)

يمكن تعريف هذه الظاهرة ببساطة من خلال تسليط الضوء على خوارزميات محركات البحث. قوقل على سبيل المثال يطلق عددا من البرامج التي تعرف باسم عناكب أو زواحف الشبكة (Web crawler)، للتعرف على المحتوى الجديد وتقييمه عبر تحديد نوعه وكثافة المادة التي يحتويها الخ. وبهذا يستطيع محرك البحث أن يعطيك قائمة بـ “أفضل” المواقع، حسب الكلمات المفتاحية التي تستخدمها.

لذلك تهتم مزارع المحتوى بصناعة مقالات تعجب زواحف الشبكة. لا يهم جودة المقال أو صحة معلوماته، الأهم هو تركيز الكلمات المفتاحية والإنقضاض على المواضيع الأكثر رواجا. لذلك تجد مقالات ذات مستوى رديء، ومعلومات مغلوطة في الصفحات الأولى من نتائج بحث جوجل.

فإذا أردت الحصول على معلومات حقيقية تأكد أن تدخل إلى مواقع مختصة،وحاول قدر الإمكان تجنب المواقع التي تكتب حول كل شيء، فهي في أغلب الأحيان لا تريد نشر المعرفة أو الارتقاء بالمحتوى العربي. هي فقط تريد الحصول على أكبر عدد من الزائرين لتحقيق أكبر كمية من الأرباح المادية.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

المعلومات الزائفة

يحوي المحتوى العربي على الشبكة، كمية مخيفة من المعلومات الزائفة والإحصائيات المغلوطة والبيانات المضللة. والمؤسف أن كمية المغالطات لا تمس قطاعا معينا أو مجالا دون غيره، فهذا يعطيك طريقة للتخسيس في ١٠ أيام وهذا يذكر لك كيفية الحصول على ثروة في أسبوع، وآخر يزعم أنك تستطيع تعلم اللغة الفلانية في وقت قياسي، ولا أحد فيهم سيعطيك أي معلومة حقيقية.

لذلك تجد موضوعا تافها كـ “الأرض المسطحة” يغطي مساحة هامة من المحتوى في المنصات العربية، ولذلك تجد نصوص دينية بفهم سقيم يحجب الرؤية، فجل الناشرين يهتمون فقط بتحفيز الجمهور العربي على دخول موقعه ومتابعة آخر الإشاعات التي يطلقها، بهدف تحقيق بضعة دولارات إضافية.

ومن المضحكات المبكيات أن صفحة اليابان بالعربي قد أخذت منذ فترة تكشف النقاب عن الكثير من الأساطير حول “كوكب اليابان”، والتي يعج بها المحتوى العربي، لكن المؤسف في الأمر أن المتلقي العربي الذي تشرب تلك الأساطير مازال إلى اليوم غير قادر على تصديق التكذيبات الرسمية النابعة من أشخاص يعيشون حقا في اليابان.

انتهاك الملكية الفكرية

من أسهل الطرق لصناعة محتوى جيد، هو السطو عليه وتغيير معالمه، ولتكتمل أركان العملية، يستطيع الناشر أن يترك بصمته الخاصة على المحتوى فيديو كان أو صور أو حتى نصوص ومقالات، وبذلك يجني ثمار تعب غيره دون أن يرف له طرف.

لكن الملكية الفكرية في العالم العربي أصبحت أكثر من ضحية، فالنص الواحد والفيديو الواحد أصبح ينتشر على أكثر من منصة بفصه ونصه، والكل يزعم أنه من بنات أفكاره، فيتحول العمل المستجاد إلى مطية يركبها الجميع، لتفقد معناها وسط الغوغاء المنتشرة هنا وهناك، ولتضيع وسط الزحام.

قد يرى البعض أن ضياع الملكية الفكرية في المحتوى الرقمي ليس بالأمر الجلل، هذا في حد ذاته موضوع شائك، لكن السطو على الملكية الفكرية ارتقى إلى الأعمال الأدبية والعلمية، ويكفي أن تبحث عن آخر الفضائح العلمية لترى حجم عمليات السطو الفكرية والعلمية في أعلى المستويات الأكاديمية. وكل هذا لأن صاحب أحد المواقع أراد نشر محتوى حصري ليظفر بالربح المنشود من قوقل أدسنس.

المحتوى غير اللائق

يلاقي المحتوى المخل رواجا كبيرا، في المجتمعات التي تعاني من مظاهر الجهل المركب. فيكفي أن تنشر مقالة بعنوان “شاهد فضيحة فلان” أو “انظر إلى سقوط فستان فلانة” حتى تلاقي نجاحا منقطع النظير، ولتحصد مشاهدات بالملايين. ولئن كان هذا التصرف المشين منشترا في الكثير من البلدان، إلا أنه أخذ في الاختفاء تدريجيا، طبعا ما عدا شبكتنا الموقرة.

في يوم ما عرفت فتاة عشرينية مغمورة، تجربة مرة جعلت أمها تفرض عليها أن تستحم دون غلق باب الحمام، حتى لا تحاول الإنتحار. كانت هذه الفتاة ضحية آلة إعلامية وسياسية دموية تتغذى من فضائح المشاهير، الأمر الذي حطمها نفسيا ومعنويا دون مراعات كونها مجرد شابة أعجبت برب عملها. تلك الفتاة هي مونيكا لوينسكي التي ارتبط اسمها للأبد بفضيحة بيل كلنتون الجنسية، لم يكن السبب أن المجتمع الأمريكي مجتمع خلوق بطبعه، وليس لأن المجتمع الأمريكي لا يعرف الخيانة الزوجية، لكن لأن الآلة الإعلامية السياسية وجدت في القصة مادة إعلامية تجمع حوله الغوغاء.

المحتوى العربي اليوم أيضا، يحمل عشرات الحالات من مونيكا. والسبب هذه المرة هو استقطاب أكبر ما يمكن من المشاهدات للظفر بأكبر كمية من الأموال المغمسة في شرف الضحايا. لا يهم أن تكون القصة حقيقية ولا يهم أن تكون سبب انتحار أو تحطيم حياة شخص ما، لكن يكفي أن تكون سببا لدر المال على الناشر.

حوصلة

تعمل الكثير من الفرق المختصة التابعة لشركة قوقل للقضاء على مزارع المحتوى، والحد من المحتوى المسيء وغير اللائق. لكن هذا لا يكفي، فيجب على المتلقي العربي أن ينتقي المحتوى الذي يزوره باستمرار لدعم المحتوى الجيد والمفيد. لذلك إذا كنت مهتما بدعم المحتوى الدسم والنافع، عليك الامتناع عن زيارة أي صفحة أو موقع يروج للرداءة، لا تترك تعليقا ولا تقدم نصائحك المهمة لهم، فهم يريدون منك أي تفاعل حتى السباب الشتائم تجعلهم يجنون مرابيح إضافية، فقط تجاهلهم وادع معارفك وأصدقاءك إلى تجاهل المحتوى الهابط.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!