تجربتي في الجري مسافة ١٠٠٠ كيل واكتشاف جانب جديد من قدراتي

يوما ما بدأت الجري وفي يوم ما اكتشفت أني قطعت مسافة التي لم أحلم بها أبدا. رياضة الجري غيرت كثيرا في حياتي فقررت مشاركتكم التجربة
4.7 (38)

لم أنشأ في بيئة رياضية، ولم يكن المجتمع حولي مشجعا على الرياضة، وفوق هذا كله كنت سمينا. حاولت كثيرا تخفيف الوزن والاهتمام بالصحة، ولكنها لم تكن محاولات جادة، فلذلك بقيت في نادي البدانة والخمول إلى وقت قريب جدا. وإن كنتَ تعرفني قبل سنوات قليلة  فأنت تدرك ما أقوله وتتعجب من هذا الإنجاز (جري ١٠٠٠ كيل!) يعني تقريبا مثل المسافة بين الرياض وأبها. هذا ما حدث وأدهشني قبل أن يُدهشك وسأروي تجربتي في هذه المقالة لتكون محفزة لغيري ومصححة لبعض المفاهيم حول رياضة الجري وما يتعلق بها.

قصة البداية

في محاولاتي السابقة لتخفيف الوزن كان المشي هو الرياضة التي أمارسها غالبا، فلم أكن أستمر في النوادي التي التحقت بها على فترات متقطعة وأنا في هذا مثل غيري، ولم تكن كرة القدم تناسبني فكان المشي خياري الوحيد حينها. الحقيقة أني لم أشعر بنتيجة مرضية رغم طول الممارسة فقررتُ إنهاء كل جولة مشي بدقائق هرولة وجري. لاحظت مع مرور الأيام أن الجزء الأخير من الجولة فيه إثارة وتحدٍ فصرتُ أزيد المدة كل أسبوع إلى أن وصلت إلى مرحلة أيقنت فيها أني أستمتع بالجري أكثر، فأصبح الجري هو الأساس والمشي للإحماء والراحة، وصار تخفيف الوزن هدفا ثانويا بعد المتعة!

كنت حينها أقطع قرابة خمسمئة متر بين هرولة وجري ثم أرتاح وأعيد الكرة، وكان أقصى ما أصل إليه في الجولة الواحدة ثلاثة أكيال أو أربعة، لاحظت حينئذ زيادة اللياقة وحرق الدهون ولكني لم أعد أهتم بالأرقام والصعود على الميزان ما دمت مستمتعا.

نقطة التحول

بعدما انتقلت إلى مانشستر بدأت مرحلة جديدة في الجري. فبعدما كنت لا أرى إلا المشاة في الرياض -أو في حينا على الأقل-  صرت أرى الناس تجري في الشوارع، والأرصفة مهيأة وكذلك الحدائق، فجعلت هدفي أن أصل إلى القدرة على الجري مسافة ٥ أكيال دون توقف أو مشي وفعلا وضعت الخطة وحققت الهدف، ثم صار هدفي ١٠ك وحققته وواصلت التصاعد إلى يومي هذا بفضل الله، ولا أنسى كذلك تشجيع صديقي د.عبدالرحمن العجاجي فقد كنا نجري معًا أحيانا. كأني بك تقول: البيئة لا تساعد في الرياض على عكس أوروبا، ولكن هذا غير صحيح لأن لكل بيئة تحدياتها و من يريد الرياضة فستساعده البيئة المهيأة ولن تعيقه البيئة الصعبة، وبدايتي كانت في الرياض وجزء كبير من الألف كيل قطعته في الرياض أثناء إجازاتي، ولا أخفي إعجابي بشيوع الرياضة في السنتين الأخيرتين بين الشباب والفتيات فصارت الحدائق والأحياء والنوادي ملأى بممارسي الرياضات المتنوعة.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

لنعد الآن إلى قصتي. بدأت في هذه المرحلة الجادة من الجري باستخدام برنامج نايكي لتتبع النشاط الرياضي، وفي رمضان الماضي (١٤٣٨) تفاجأت بأني وصلت إلى الألف كيل فغمرتني السعادة واحتفظت بصورة الإنجاز لأنه يعني لي الكثير جدا. لن أطيل في السرد وسأتحول الآن لما قد يفيدك ويحفزك لتحقيق إنجازك سواء في الجري أو غيره من الرياضات.

لماذا اخترت الجري من بين الرياضات؟

ليس لتخفيف الوزن

ولكن ببساطة لأني وجدت فيه متعتي، فإن كان الشعور الذي يصاحبك أثناء الرياضة شعور تكليف وإجبار فأغلب الظن أنك لن تواصل وستتعلق بأيسر الأعذار كي تؤجل التمرين. لذلك أنصح دائما باختيار رياضة تجد فيها متعتك أولا، وبقية الأهداف كاللياقة و تخفيف الوزن ستأتي لاحقا، فكل الرياضات تحرك العضلات وهذا يكفي. أيضا اخترت الجري لأن المشي لم يكن يشبع شغفي وكان من السهل أن أشعر بالملل أو تأخر الإنجاز، وفوق هذا كله يندر أن تجد من المشاة من يحفزك على مسافات طويلة باستمرار على عكس العدائين، فلو نظرت إلى غالبية رواد المشي لرأيتهم يقطعون مسافات لا تكاد تتجاوز ١٠ أكيال نظرا لما تستغرقه من وقت،  بينما هذه المسافة تكاد تكون حدًا أدنى عن العدائين مع ما فيها من فرصة للتنويع بين درجات السرعة والشدة، ولعلي أحدثكم يوما عن نشوة الجري وهرمونات السعادة.

خلوة بالنفس

ومما حببني في الجري أني وجدت فيه فرصة للخلوة بنفسي، فلستُ أجد من يجري معي دائما خاصة بعدما صارت المسافات تطول، فصرت أقضي وقت الجري في تقليب أفكاري ومراجعة نفسي والتأمل. هذا وحده كان دافعًا يساعدني على مقاومة الأعذار إذا راودتني نفسي وتكاسلتْ. وفكرة هذا المقال خطرت في بالي أثناء إحدى الخلوات.

زيادة الثقة بالنفس

لا تسأل عن الإحباط لدى السمين حينما يتحدث الناس عن أمرين: الرياضة والملابس. وبما إنني سمين سابق فأنا أعرف هذا الشعور جيدا فهي لحظات يشعر فيها السمين بأنه عاجز ليس في يده حيلة. وحتى غير السمين قد يشعر بالنقص إلى حد ما إن كان لم يكتشف ما يفوق به أقرانه بعد. فلست أخفيكم أن الجري أكسبني ثقة عجيبة في نفسي في الجانب الرياضي تحديدا حيث إني لا أحسن رياضات أخرى وإن مارستها فمن باب تكملة العدد أو تزجية الوقت. ولكني الآن أنظر إلى أرقامي في الجري فأفخر بها وإن كانت لم تزل في البدايات. فجرب عددا من الرياضات واختر ما يزيدك ثقة بنفسك، وفي كل خير.

العلاقة مع الطبيعة

عندما وصلت إلى مرحلة الجري لمسافات طويلة لم تعد الأرصفة والمضامير تكفي، فوجدت نفسي مضطرا للخروج إلى الوديان كوادي حنيفة أو أطراف المدينة وهذا يعني البعد عن ضوضاء المدينة وزحام الناس،  والجري في خلاء على مد البصر لا يشاركني فيه سوى الطبيعة والطيور في لحظات لو تُباع لاشتريتها. وفي السعودية مثلا سيكون الجري فرصتك لاستكشاف الضواحي والقرى والصحراء، فمدينة مثل الرياض لا يمكن أن تجري على أرصفتها في وضعها الحالي، والحدائق والمضامير العامة لا تناسب للجري أكثر من ١٠أكيال لأنها مزدحمة و الدوران في نفس المكان قد يكون مملا ، فالخيار الوحيد هو الانطلاق في اتجاه لا حدود له.

الإصابات في الجري

كأني بك تتساءل عن إصابات الجري وهل حقا يسبب الإصابة؟ مع كل أسف أقول بأن هذا السؤال وردني كثيرا والسبب في ذلك أن ظاهرة انتشار مجموعات المشي الإيجابية وظهورها في تويتر يصاحبها تحذير عجيب من الجري ويُستعان على ذلك بفزاعة الإصابات مع إن المشي والجري رياضتان مختلفتان! والجواب من تجربتي أن الإصابة واردة حتى في النوم إذا لم يكن بطريقة سليمة. القانون نفسه يجري على رياضة الجري، فما دمت تمارسها بطريقة سليمة وتأخذ حذرك متوكلا على الله فلن يصيبك أذى بإذنه. ولو افترضنا أنك في أسوأ الأحوال أصبت فالراحة كفيلة باستعادة العافية، فإصابات الجري يسيرة جدا ولا تصل مثلا لقطع في الرباط الصليبي كما يحدث في كرة القدم، أليست الكرة متعة للملايين؟ بلى!

مررت خلال تجربتي بمواقف عجيبة ومثيرة، وتعلمت الكثير حول التغذية والرياضة ولاحظت شح المحتوى العربي حول رياضة الجري تحديدا فلذلك قررت مشاركة تجربتي  ليكون الجري عادة يومية في بلادنا، وهذه المقال وما قد يتبعه إنما هو وسيلة لتحفيزي أنا أولا على المواصلة والالتزام والابتعاد عن الكسل. وخير ما تفعله الآن نشر هذا المقال وتجربة الجري فقد يكون رياضتك التي لم تكتشفها بعد، أو اكتشف رياضتك.


*ملاحظة: مسافة ١٠٠٠ كيل على مدى سنتين أو ثلاث رقم عادي عند العداء المتوسط، ولكنه كان علامة فارقة في تجربتي أنا المبتدئ حينها.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!