فيلم أنا والمرآة – هوس اللبنانيات بعمليات التجميل

نظرة شاملة على فيلم أنا والمرآة الذي يتناول عمليات التجميل وميول الناس نحوها في المجتمع اللبناني تحديدا
4.6 (5)

“أنا الآن ذاهبة إلى العيادة لإجراء عملية التجميل.. لست خائفة على الإطلاق، ولكنني متوترة قليلاً وهذا طبيعي. أشعر أنني أسعد إنسانة في الدنيا.. سأصبح جميلة! ستزداد ثقتي بنفسي وهذا أهم شيء. عندما كنت في الثالثة عشرة كُسر أنفي، وقيل لي إنني يجب أن أنتظر حتى الثامنة عشرة لإجراء عملية تجميل. وفعلاً انتظرت حتى الثامنة عشرة وأجريت ترميماً لأنفي. لكن بعدها بأسبوعين اصطدمت بباب زجاجي، ولذلك أنوي إجراء عملية ثانية. وليس لدي مشكلة في إجراء عملية ثالثة ورابعة. المهم أن يصبح أنفي جميلاً”.

بهذه الكلمات للشابة اللبنانية “آلاء الموسوي” يُفتتح الفيلم الوثائقي “أنا والمرآة- هوس اللبنانيات بعمليات التجميل” لمخرجته “زينة طنوس فارس”. ويروي الفيلم قصصاً تجمع خمس نساء لبنانيات من خلفيات ثقافية واجتماعية مختلفة. تشرح “آلاء” الدافع النفسي لإصرارها على إجراء عملية تجميل، حيث إنها في صغرها لم تكن تعير اهتماماً للجمال، وكان همها هو اللعب فقط كالأولاد. لكن بعد أن كُسر أنفها، صارت تتعرض لمضايقات في المدرسة، وبدأ رفاقها بتجريحها، كقولهم لها أثناء النقاشات: “اسكتي يا صاحبة الأنف البشع”.

تظهر “آلاء” في الفيلم على ثلاث مراحل، قبل وأثناء وبعد إجراء العملية، حيث تصف مدى سعادتها بالنتيجة، وردة الفعل الإيجابية للمحيطين بها. رغم ذلك فإنها تعترف أن عمليات التجميل “ورشة”، وتسبب الإدمان. فلا تكتفي المرأة بالنتيجة التي حققتها، وتطمح للمزيد، فبعد إصلاح أنفها، تفكّر في إجراء تجميل لخديها، أو لشفتها العلوية.

في هذا الفيلم نقابل أيضاً “ألفت منذر”، وهي خبيرة تجميل عمرها ٣١ عاماً. تعترف “ألفت” بإجراء عمليتي تجميل، وهما تصغير الأنف، وبوتوكس لإخفاء التجاعيد، “على أمل أن تبدو أصغر من عمرها”. وتعتبر “ألفت” أن العمليتين كانتا ضرورة، لأن وجهها هو واجهة عملها، فكيف ستطلب النساء منها نصائح تجميل إن لم تكن جميلة؟

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

يعرض الفيلم الوثائقي مشهداً من برنامج فرنسي اسمه “ستة وستون دقيقة”، حيث تؤكد المذيعة في البرنامج أن أعلى نسبة لإجراء عمليات التجميل تقع في لبنان، بمعدل امرأة واحدة من كل ثلاث، وأنه ما عليكم سوى التجول في شوارع بيروت للتأكد من ذلك. لكن “ألفت” تُكذّب هذه الإحصائية، وتعتبرها مبالغاً فيها، وترى أن وسائل الإعلام تركز على شريحة معينة من النساء، وليس على جميع شرائح المجتمع.

السيدة اللبنانية الثالثة هي “جيهان الخطيب مطرجي”، وهي زوجة محامٍ وربة منزل، وهي أمّ لأربعة شبّان، وجدّة لديها حفيدة واحدة. تروي “جيهان” أن قصتها مع عمليات التجميل بدأت منذ سن السابعة عشرة، بقرار من أمها، لإزالة عظمة من أعلى الأنف. أما آخر عملية تجميل أجرتها فكانت اضطرارية لعينيها، حيث انفصلت عضلة الجفن عن العين، وأصبحت تغلق لاإرادياً. وما بين الأولى والأخيرة، العديد من عمليات البوتوكس والتعبئة Filling.

تعتبر السيدة “جيهان” أن عمليات التجميل أصبحت كالفايروس الذي غزا العالم، لأن كل النساء يرغبن في أن يكنّ جميلات، وأن اللواتي لا يجرين عمليات تجميل “يمكن عدهن على الأصابع”. وهي رغم ذلك تعترف أن مقاييس الجمال هي مجرد موضة يتم تغييرها بمعدل كل عشرين عام. فمثلاً في الماضي كان الفم الصغير هو الأجمل، أما الآن فأصبحت الشفاه الممتلئة هي الموضة. كذلك الحاجبان، فقد درجت العادة لمدة طويلة على أن يكونا رفيعين، أما الآن فقد قرر صُناع الموضة أن الحاجب العريض هو الأجمل.

ولإضفاء نوع من التوازن على الفيلم نقابل أيضاً السيدة “لينا أبيض”، وهي أستاذة مسرح في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولديها ابنتان في سن التاسعة عشرة والسادسة عشرة. تقول لينا أن لديها العديد من العيوب في وجهها، لكنها لا تهتم لها، ولا يهمها أن يلاحظها الناس. ترى السيدة لينا أن هناك ثلاثة عوامل أسهمت في تكوينها هذه النظرة الإيجابية عن نفسها. فمبدئياً عندما كانت طفلة، لم يحدث أن علّق أحد والديها على أي عيب في شكلها.

أيضاً في علاقتها مع زوجها، لم يحدث مطلقاً أن طلب منها إجراء أي تغيير في شكلها، أو علّق على زيادة وزنها. أما العامل الثالث فتعتبر السيدة “لينا” أن عملها يعطيها مردوداً نفسياً إيجابياً جداً، فهي تحقق ذاتها من خلال عملها، ومن خلال حب الأشخاص المحيطين بها، وتعتبر أنها مكتفية وراضية جداً بحياتها.

أما السيدة الخامسة التي تروي قصتها في هذا الفيلم، فهي “سماح حرب”، وهي في الثانية والثلاثين من عمرها، وأم لطفلة صغيرة. تعترف “سماح” بندمها على إجراء عمليات تجميل، كان سببها الأساسي هو الغيرة من الأخريات، وتعرض بعضاً من صورها لتؤكد أن عمليات التجميل شوهتها وأنها كانت أجمل عندما كانت طبيعية، وذلك لأن المواد التي تم حقنها بها تتفاعل مع الشمس والبرد والمرض، وهي مواد ممنوعة. وتتمنى بشدة لو يعود الزمن إلى الوراء لتمتنع تماماً عن العبث بوجهها.

لكنها أيضاً تحاول النظر إلى الجانب الإيجابي من الموضوع، فهي تنوي أن تستفيد من خطئها في تربية ابنتها، وتشدد أنها لن تسمح على الإطلاق لابنتها بإجراء أي عملية تجميل. وفي النهاية توجه رسالة للفتيات، أن يبقين طبيعيات ولا يلجأن لعمليات التجميل مطلقاً، لا بدافع الغيرة ولا بغيره، لأنها تغير معالم الوجه، ولن تكون النتيجة بالجمال الذي يتصورنه.

شخصياً تستهويني الأفلام الوثائقية الخالية من السرد، أي ذلك الصوت الذي يقرأ نصاً معيناً، بل تتولى كل شخصية في الفيلم رواية حكايتها بنفسها، وشرح مشاعرها، دون تدخل من المخرج. برأيي يقدم هذا الفيلم طرحاً متوازناً لموضوع عمليات التجميل، دون تدخل من مخرجته للانحياز لوجهة نظر معينة، فهو يعطي وقتاً متساوياً لأصحاب وجهات النظر المختلفة. وهو مشغول بحرفية عالية، وترافقه موسيقى تصويرية مميزة ومتنوعة بحسب أماكن التصوير.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!