فهم المراهقة وفق مختلف النظريات التي تعرفها وتفسرها

مرحلة المراهقة مصحوبة بتغيرات متنوعة في حياة المرء، وقد كانت هذه المتغيرات موضوعا للنظريات المهتمة بالمراهقة، فتنوعت التفاسير.
5.0 (4)

إنها فترة من العمر تتميز فيها التصرفات السلوكية للفرد بالعواطف والانفعالات الحادة والتوترات العنيفة، كما يشير إلى ذلك S.HALL  وتنطلق بدايتها بظهور علامات النضج التناسلي الكامل.

يمكن تصنيف التعاريف والتفسيرات التي خصت المراهقة حسب النظريات ومجالات الاهتمام إلى:

1- التعاريف والتفسيرات البيولوجية

يرى أصحاب هذه النظرية، وعلى رأسهم S.HALL، أن التغيرات الملاحظة في سلوك المراهقين خلال فترة المراهقة مرتبطة أساسا بالتغيرات الفيزيولوجية  ذات العلاقة بوظائف الغدد. ويتمثل ملخص هذه النظرية في كون الإنسان خلال مراحل نموه وتطوره يعيد تاريخ الجنس البشري. فالطفل الصغير إلى حدود سن الرابعة عشر تقريبا يجتاز طورا من النمو شبيه بالمرحلة البدائية في تاريخ الإنسانية. وهو أيضا قريب من الحيوان كنوع، لكن معظم المهارات الحسية – الحركية في هذا الطور تسعى إلى حفظ ذاته. كما أن فترة المراهقة بدورها فترة مماثلة للفترة التاريخية من ماضي الإنسان، وهي الفترة التي كان يعمل من خلالها للارتقاء بنفسه من الحياة البدائية إلى صور وأشكال الحياة الاجتماعية الأكثر تحضرا.

2- التعاريف والتفسيرات السوسيولوجية والثقافية

ركزت هذه التعاريف على العوامل الاجتماعية، وما قد تحدثه من ردود فعل أو آثار في شخصية الفرد في المرحلة الفاصلة بين الطفولة والرشد.

لقد اعتمدت جل هذه التعاريف على مفهومي المركز والدور الاجتماعيين، كعاملين جوهريين يؤدي غيابهما إلى اختلال علاقات الفرد بالآخرين، فالمنظور السوسيولوجي يعتبر أن غياب أدوار اجتماعية محددة في هذه المرحلة يكون بفعل طول المدة اللازمة لتحقيق الاندماج في الحياة الاجتماعية.

إن وجود علاقة الأزمة أو غيابها مسألة ترتبط بالبيئة الاجتماعية، ونمط ثقافتها، وأساليبها في التنشئة الاجتماعية للفرد.

إن أصحاب نظريات الثقافة نجحوا في إقامة علاقة بين درجة الصراع، بين المراهق والشروط الثقافية، وأخلصوا بكيفية غير منطقية إلى إدراك أن سيكولوجيا المراهق في مجموعها ترجع إلى طبيعة القيم والشروط التي يضعها الوسط الذي يتطور فيه الطفل والذي يحد أو يضبط السلوك الجنسي أو غيره من أنواع السلوك الذي يمكن أن يصدر عنه كشخص في أشد فترات النضج.

3- نظريات التحليل النفسي في تفسير المراهقة

تدخل في هذا الاتجاه أعمال كل من S. Freud الذي اعتبر المراهقة مرحلة خاتمة لعملية النمو النفسي- الجنسي التي تنطلق منذ الطفولة، حيث تصبح الغريزة الجنسية في خدمة وظيفة التناسل. وتتميز هذه المرحلة في نظره بتحول الفرد عن مشاعره النرجسية بنمو ميله نحو الجنس الآخر، كما يقترن هذا التحول بقلق قوي ناشئ عن شدة الدوافع الجنسية عند المراهق، والذي يؤدي إلى سلسلة من الصراعات الانفعالية الجنسية التي لا تتميز حسب فرويد عن الأعراض العصابية والذهانية. وأشار فرويد إلى أن وظيفة الأنا في هذه المرحلة يطرأ عليها نوع من الاضطراب الناتج عن الدخول في طور البلوغ، كما تهتز وظائف الأنا الأعلى نتيجة لتغير علاقة المراهق بوالديه، وتدخل في هذا الإطار أيضا أعمال Anna Freud  التي اعتبرت المراهقة بمثابة فترة تتميز بالاضطراب في الاتزان النفسي، الذي يعتبر النضج الجنسي وما يترتب عنه من انبعاث وتجدد الطاقات الليبيدية، منطلق بدايته. كما يتعرض الأنا الأعلى في هذه المرحلة لفترات من الضعف يجعله أحيانا عاجزا عن صد هجمات الهو، وتضيف “أنا فرويد” أن مرحلة المراهقة تتسم بآليتين دفاعيتين، وهما الزهد والتعقلن، ويتمثل الزهد في مشاعر الكراهية التي يوجهها المراهق إلى كل ما من شأنه إثارة دوافعه الجنسية مع تجنب التفكير في إشباع هذه الدوافع بالرفع من درجة الحرمان الذي يفرضه المراهق على نفسه بإرادته الحرة. أما آلية التعقلن فيحاول الأنا من خلالها التحكم في الدوافع الجنسية، وذلك بإخضاعها لأفكار يمكن التصرف فيها شعوربا وبسهولة. وما يمكن ملاحظته على الأفكار التي جاءت بها أنا فرويد في تفسيرها لمرحلة المراهقة هو تركيزها الشديد على الصراع بين الهو والأنا والأنا الأعلى، وإغفالها لما يمكنه أن يكون من تعاون وتكامل بين هذه المنظومات النفسية الثلاث لتحقيق التوازن الداخلي والتغلب على الاضطرابات التي تعرفها هذه المرحلة.

كما تطرقت Mélanie Klein إلى ظاهرة أخرى تميز مرحلة المراهقة، وهي الإعجاب بالبطل وتأليه l’idole  لدى المراهق، مفسرة إياها بتصدع أحاسيس الحب والكراهية التي تنبثق بفعل التنافس الأوديبي، وتضيف في نفس السياق أنه في هذه المرحلة تظهر الحاجة إلى الاحتفاظ بالطيبوبة والحب، سواء في داخل الفرد أو خارجه، والتي تعتبرها “كلاين” من الحاجات أشد إلحاحا عند المراهق التي تدفع به إلى البحث عن قدوة يتخذ منها مثله الأعلى، الشيء الذي يمكن المراهق من الشعور بالأمن الباطني بفعل ما يكنه من مشاعر الحب والثقة  والإعجاب لهذه النماذج، والتي أصبحت اليوم متاحة بشكل كبير بالنظر إلى النماذج المتعددة والمتنوعة الشكل والمضمون التي تقدمها وسائل الإعلام.

ما فتئ الإعلام يصور ويصنع البطل الخارق ويسوقه عبر شتى الأجناس والمواد الإعلامية بدرجة تثير انتباه وإعجاب المراهق، لحد التقليد والمحاكاة والتصرف على المنوال، لكن الإعلام لا يصور دائما هذا البطل على أنه بطل له من القيم والأخلاق والمبادئ ما يخول له أن يكون نعم القدوة، بل يجعلنا تارة نتعاطف مع المجرم والسارق والقاتل وسفاك الدماء، ويستغل حاجة المراهق في هذه الفترة للبحث عن قدوة يقتدي بها ويجد فيها نفسه، إلى أن يصير العديد من المراهقين مشاريع نسخة طيق الأصل لذلك البطل المسوق.

من جهة أخرى، حاولت الفرويدية الجديدة تجاوز النظرة الفرويدية التي ركزت بشكل كبير على الذات وخبرات الطفولة وعلى البعد اللبيدي والجنسي، وذلك باهتمامهم بالجوانب الاجتماعية والثقافية في الشخصية، ويعتبر “Alfred Adler” من رواد هذا الاتجاه حيث ركز على الجوانب الاجتماعية كبديل للدافع الجنسي الذي احتل لدى فرويد المكانة الرئيسة. كما قد استند “أدلر” في تفسيره الطفولة والمراهقة على ما اسماه بأسلوب الحياة الذي يستند على آلية التعويض عن بعض مشاعر النقص الذي يكمله مبدأ آخر اسماه أدلر بالذات المبتكرة، التي تنشأ من دافع الشعور بضرورة تطوير الذات والرفع من شأنها.

يعتبر  Erik Fromm و Karen Horney و Hanry Sullivan من أبرز ممثلي تيار الفرويدية الجديدة الذين ركزوا على الأصول الاجتماعية للحاجات الإنسانية وما ينشأ عنها من صراعات نفسية في سائر أطوار نمو الفرد، بما في ذلك طور المراهقة. ويضاف إلى هذه الأسماء E .Erikson وأهم ما يميز نظريته في النمو هو تفسيره للمراحل النمائية من خلال مفهوم الأزمة، وقد حدد “اريكسون” مراحل النمو في ثمان مراحل تتسم كل واحدة منها بأزمة من أزمات النمو النفسي والاجتماعي. وميز مرحلة المراهقة بكونها مرحلة الهوية مقاب التباس الأدوار وعدم الاستقرار وهذا ما يفسر تشتت المراهقين وقلقهم وعدم تحديدهم لأهدافهم ومثلهم العليا.

لقد أولى ‘أريكسون’ مرحلة المراهقة اهتماما كبيرا، حيث حدد بدايتها بالبلوغ، الذي اعتبره بمثابة تهديد للصورة الجسمية للذات، الأمر الذي ينتج عنه اختلال في التوازن الليبيدي السابق، ويتولد عنه شعور المراهق بالحاجة إلى الاستقرار على هوية جديدة، وذلك بفعل انتقاله من طور الطفولة الآمن إلى عتبات عالم الرشد وما ينطوي عليه من أدوار ومسؤوليات. ويعتبر الانخراط في جماعة الأقران ومشاركتهم فيما يمارسونه من نشاط حسب اريكسون بديلا آمنا لسيطرة الوالدين، وإجراء دفاعي يحتمي به المراهق من مخاطر تشتت الذات، حيث يسعى إلى بلوغ هوية جاهزة بدل الانهماك في صنع هويته بنفسه.

4- النظريات السيكولوجية في تفسير المراهقة

تتعدد النظريات السيكولوجية المهتمة بفترة المراهقة، والتي تعكس مجموعة من الجوانب التي لم تتطرق لها النظريات البيولوجية والثقافية. وتذكر من أهمها:

4-1 نظرية المجال

يمكن اعتبار نظرية Kurt Levin محاولة للتوفيق بين النظريات المغالية في التفسير البيولوجي والتفسير الاجتماعي للمراهقة حيث أشار ليفن أن المؤثرات الحضارية والعوامل الاجتماعية والثقافية لا تؤثر في المراهق إلا إذا أصبحت جزء من مجاله النفسي.

يركز ليفن في دراسته على واقع حياة الفرد في محيطه النفسي، أي المحيط أو البيئة، حيث تتميز حياة الإنسان، وتتحدد بأبعاد الواقع والقدرة على رؤية الأشياء والمناطق المختلفة التي يعيش فيها وطريقة تنظيمها.

إن “ليفين” في توظيفه للنظرية الجشطلتية، يسعى إلى استدخال جميع العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تتم من خلال مرحلة المراهقة. هذا الاتجاه دفع هذا العالم إلى وضع ستة أبعاد متميزة ومترابطة تشكل أساس نظرية المجال:

·        البعد الأول: تغيير الانتماء للجماعة؛

·        البعد الثاني: الدخول في وضع غير محدد؛ وضع غير واضح، وضع غير مألوف؛

·        البعد الثالث: الواقع الجسمي؛ هذا الواقع أو الحقيقة الجسمية هي المنطقة التي تحل مكانا مركزيا في المجال السيكولوجي (حسب ليفين)؛ فالبلوغ والتغيرات البيولوجية والتطور النفسي كلها عوامل تحدث تغيرات من الصعب على المراهق نفسه أحيانا إدراكها واستيعابها؛

·        البعد الرابع: عدم استقرار الوضع؛ يعيش المراهق تغيرات عدة تهم جميع المستويات مما يجعله يعيش وضعا نفسيا غير قار؛

·        البعد الخامس: الأفق الراهن؛ تغير النظرة تجاه الواقع والمستقبل. فالطفل لا يميز بدقة بين الواقع وغيره، كما أن المستقبل عنده مشوب بالحلم أكثر منه بالواقع. أما المراهق فلكي يدرك الزمن ويميز بين الواقع والمستقبل فهو يحاول التخلص من التخيل والإيهام، حتى يستطيع إدراك المستقبل كزمن وكيفية استغلاله في وضع تصورات ومشاريع معينة؛

·        البعد السادس: عدم تحديد الانتماء.

يسعى “ليفين” من خلال نظريته (المجال) إلى إبراز أن حياة الإنسان تتميز وتتحدد بأبعاد الواقع. هذه الأبعاد التي تعطي فروقا فردية وتكوينية وتنموية وثقافية في السلوك مرتبطة أساسا بنوعية وطريقة تنظيم المناطق المختلفة التي يقع الفرد تحت تأثيرها.

تذهب نظرية المجال إلى تشبيه المراهق بالشخص الهامشي أو المهمش في المجتمع؛ فكلاهما يوجدان على مشارف جماعتين. كل يسعى إلى تغيير جماعته للانتماء إلى جماعة أخرى، وبالتالي فهما في هذه الحالة الانتقالية يوجدان على هامش الجماعتين، وبالتالي السقوط في حالة عدم الاستقرار النفسي والتناقض وفقدان الثقة والشعور بالقلق.

تعتبر نظرية المجال المراهقة مرحلة انتقالية في حياة الفرد، مرحلة يعاني فيها الكثير من الاضطرابات، فنحن أمام حالة نفسية غير مستقرة.

4-2 نظرية ألبورت

تتفق هذه النظرية في دراستها لمراحل نمو الفرد – إلى حد كبير – مع الاتجاه الفرويدي في تتبع نمو الفرد من الطفولة حتى الرشد، إلا أن الاختلاف يبقى في أن “فرويد” يتتبع نمو الدافع الجنسي وتأثيره على سلوك الفرد في مختلف مراحل النمو، في حين نجد أن “ألبورت” يتتبع نمو الذات أو “الأنا” التي هي بمثابة نواة الشخصية، وذلك من الطفولة إلى سن النضج.

لقد وضع “ألبورت” ستة أبعاد للذات (الأنا) وذلك عبر مختلف مراحل نموها غير أننا سنقتصر هنا على الأبعاد التي تهم مرحلة المراهقة فقط:

·        صورة الذات: حيث يصبح الفرد قادرا على وضع معايير يزن بها ذاته وقدراته ومؤهلاته ودوافعه، ويتعرف على الاتجاهات والقيم التي تضبط سلوكه وتوجهه؛

·        الذات العقلية والعارفة: أو ما يسميه “ألبورت” بالمجهود المركزي، وهو مجهود شبيه بالدور الذي يقوم به الأنا عند “فرويد”.

ترى نظرية “ألبورت” أن المراهقة هي مرحلة التمركز حول الذات، فالتغيرات العضوية والنفسية التي تحدث أثناء هذه الفترة تجعل الفكر ينعطف على ذاته فتبرز مشكلة الذات أو ما يسمى بالبحث عن الهوية الذاتية والسعي بحزم إلى تحقيق مكان لها ضمن بقية الذوات الاجتماعية الأخرى.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!