التواصل الاجتماعي بين الأمس واليوم

نتذكر منذ سنوات ليست بالبعيدة كيف كان شكل الحياة أجمل، وكيف كان التواصل الاجتماعي أقوى وأوثق.
4.4 (11)

نتذكر منذ سنوات ليست بالبعيدة كيف كان شكل الحياة أجمل، وكيف كانت العلاقات الاجتماعية أقوى وأوثق. كان أول ما يتبادر إلى الأذهان عند ذكر كلمة (أُسرة) هي تلك الجَمعة الطيبة و (اللمَّة) المستمرة بدون انقطاع في بيتٍ واحد، الوالدَان والأبناء جميعًا، حيث يجلس الجميع غالبًا في غرفةٍ واحدة، يتجاذبون أطراف الحديث ويتناقشون ويتشاكسون.

يجتمعون على طاولة الطعام لتناول ما لذَّ وطاب من الطعام المنزلي الشهي الذي أعدَّته الوالدة بحب، ويلتفُّون في آخر النهار حول التلفاز جميعًا لمتابعة مسلسلهم المُفَّضَّل، شأنهم شأن كل الأسر في البلد بأسرها، حيث كان وقتها التلفاز به عدد محدود من القنوات تُعد على أصابع اليد الواحدة، وهذا الأمر كان له دور كبير — وغير مباشر — في الترابط الاجتماعي، حيث كان الجميع يُشاهد في وقتٍ واحد مسلسلًا واحد، وبرنامجًا واحدا، ومباراةً واحدة. أَتَذَكَّرُ حين كانت تُعرض إحدى مباريات كرة القدم مثلًا كيف أن الشوارع أثناءها تكون هادئة خالية من المارة إلا القليل، الأمر الذي انعدم الآن وأصبح من المُحال أن يجتمع أهل بيتٍ واحد فقط على برنامج واحد أو مسلسلٍ واحد أو شيء واحد. كل هذا كان في عصر ما قبل الأقمار الصناعية والستالايت وصنبور القنوات الفضائية الذي أتاح لكل فرد من الأسرة أن يختلي بنفسه في غرفته ليُشاهد ما يُحب.

كما كان التواصل الاجتماعي قديمًا أمرٌ لا بد منه في جميع العائلات وبين الأصدقاء، فكانت الزيارات العائلية سائدة بين الجميع، والتهنئة بالمناسبات الاجتماعية واجبًا مقدَّسًا مفروضًا يتم وجهًا لوجه وليس عن بُعد — كما هو الحال في هذه الأيام—، مما يُوَطِّد العلاقات والأواصر بين الأسر، بينما الآن حلَّ محل كل ذلك ما يُسمى بمواقع التواصل الاجتماعي والتي هي من أسباب القطيعة الاجتماعية، وأصبح كل فرد من الأسرة يجلس منزويًا وحيدًا في غرفته، قابعًا أمام جهاز الحاسوب أو اللوحي الخاص به، قلَّما يُحادث أحدا من إخوته، وبدلًا من أن نزور القريب لنُهنِّئه بنجاح ولده مثلًا أصبحنا نكتفي بـ (منشور) على الفيس بوك يُعبر عن فرحنا بنجاحه مع صورة ملونة لطيفة. وإن مرض أحد الأصدقاء أصبحنا نُرسل له (رسالة) على الواتساب تحتوي على دعاء وتمني بالشفاء مع صورة ملونة لطيفة كذلك، وغير ذلك كله فالتواصل العادي أصبح أقل بكثير وصِرنا نكتفي بالإعجاب والتعليق على صفحات أحبائنا بالفيس بوك والتويتر، وقلَّ بذلك الترابط الإنساني وكاد يُصبح معدومًا.

نعم، لا أُنكر أهمية وسائل التقنية الحديثة والتي لولاها لما تمكنتُ من كتابة ونشر هذا المقال، ولا تمكنتَ أخي القارئ من قراءه هذه السطور، ولكن لكل شيء إيجابيَّات وسلبيَّات، ونحن — وأنا أولكم — ومع الأسف دائمًا نستخلص من الأشياء سلبيَّاتها بحيث نجعلها تطغى على ما بها من إيجابيَّات، ونحن معذورون في هذا الأمر، فالتقنية لها سحر وبريق يجذب الجميع، بما فيهم كاتبة هذه السطور.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!