كيف سيكون عالمنا حين نصل إلى ما وراء الحواس الخمس؟

القدرات الفائقة فكرة مثيرة للغاية لأي شخص في العالم ، كم تمنيت لو كانت لدي القدرة على الشعور بالتفاصيل بحاسة جديدة
0.0 (0)

العالم الذي نعيشه هو ليس بالعالم الحقيقي، بل تم بناؤه من قِبَل عقولنا ومن ثم تصفيته من خلال حواسنا الجسدية، مما يجعلنا نتساءل؛ يا تُرى كيف سيتغير عالمنا هذا لو كان لدينا حواس جديدة ومختلفة؟ هل ستقوم هذه الحواس بتوسيع هذا الكون من حولنا؟

تستخدم التقنية منذ فترة طويلة لمساعدة من فقدوا أحد الحواس الخمس الأساسية او لمن وُلدوا بقصورٍ في أحدها، وقد بدأ الباحثون في مجال ”التعزيز الحسي” في الآونة الأخيرة بتطوير وسائل تعطي الناس حواسا إضافية تحاكي تلك الحواس التي لدى بعض الحيوانات أو تضيف قدرات ليس بالإمكان تخيُّلها، إليكم كيفية عمل هذه الوسائل وكيف بإمكانها أن تغير الطبيعة البشرية.

١- الاستماع للصور

قام بعض الصُّم لعقود من الزمن بزراعة أنسجة قوقعة الأذن، حيث تم استخدام مصفوفة من الأقطاب الكهربائية لتحفيز العصب السمعي داخل الأذن، ويعمل الباحثون الآن على تقنيات أخرى من شأنها تعويض حاسة البصر أو اللمس لأولئك الذين قد فقدوها، فبالنسبة للمكفوفين سيكون ذلك عن طريق زرع كاميرات بإمكانها تحفيز الأقطاب الكهربائية في الشبكية أو في العصب البصري أو في الدماغ.

أما بالنسبة للمصابين بالشلل أو لذوي الأطراف الصناعية، فإنه يمكن لحشوات الضغط في اليد الطبيعية او الصناعية أن ترسل إشارات اتصال بالدماغ أو بالأعصاب في الذراع. حتى أنه يمكن ايجاد تقنيات تزيد من قوة الحس الاجتماعي لدى المصابين بالتوحد؛ فقد كشف باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في العام الماضي عن جهاز EQ-Radio، وهو جهاز يلتقط اشارات من الأشخاص للكشف عن معدل ضربات القلب وأنماط التنفس لديهم.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

بإضافة إلى جهاز آخر – سيتم اختراعه – والذي من شأنه التوصل إلى مزاج الشخص المقصود من خلال تحليل هذه الإشارات ومن ثم نقلها لمصاب التوحد، ستزداد قوة الحس الاجتماعي لديهم أو لأي شخص يريد تحسين حدسه العاطفي. ويمكن أيضا استبدال حاسة بحاسة أخرى، فالدماغ لديه قدرة هائلة على الاستفادة من أي معلومات تم استقبالها لها صلة بالموضوع، ويمكن تدريبه – على سبيل المثال – على الاستماع للصور أو لمس الأصوات.

وفيما يخص المكفوفين، يقوم جهاز يسمى BrainPort V100 بتوصيل كاميرا موضوعه بزوج من النظارات في شبكة من الأقطاب الكهربائية على لسان الشخص، في البداية سيبدو للمستخدم وكأنه يرى فقاعات صغيرة، ولكن في النهاية سيمكّن المستخدمين من تعلم قراءة كل مِن نقاط التحفيز الأقوى وهي وحدات البكسل الساطعة، والنقاط الأضعف وهي الوحدات القاتمة، ومن ثم ستتشكل لديه صورة ذهنية.

ويوجد أيضا جهاز هولندي مشابه له إلى حد ما، يسمى بال vOICe وهي تعني (أوه أنا أرى!)، حيث يتم استخدام كاميرا لإنشاء مؤثرات صوتيه يسمعها ضعاف البصر من خلال سماعات، وتبدو هذه الأصوات لمن يستخدم الجهاز أول مره وكأنها طنين وتشويش ولكن مع التدريب سيتمكن الأشخاص من خلالها من استيعاب الصور، ففي كل ثانية وأكثر ينتقل الصوت من اليسار إلى اليمين مستخدماً بذلك الترددات للإشارة إلى طول الكائن المقابل (فكلما زاد ارتفاع الكائن، ارتفعت درجة الاهتزاز) والصوت للإشارة إلى سطوعه.

أما فيما يخص الصُّم، فقد قام عالم الأعصاب في جامعة ستنافورد دايفيد إيجلمان بتطوير سترة تحوِّل الصوت إلى مخطط اهتزازات على الصدر، حيث يمكن للأشخاص مع الممارسة استخدام هذه الاهتزازات لفهم الحديث والأصوات الأخرى.

٢- الاستعارة من الطبيعة

كما قام العلماء بدراسة طرق لإضافة حواس موجودة في المملكة الحيوانية، فعلى سبيل المثال، جهاز محمول باليد يسمى بـ Bottlenose قد تم بناؤه من قبل مخترقين حيويين وهواة حيث أن الجهاز يستخدم الموجات الفوق صوتية للكشف عن مسافة الأشياء ثم يقوم بهز أصبع المستخدم على ترددات مختلفة مما يمنحه الرصد بالصدى(1). وتزوِّد بعض الأجهزة الأخرى للطيور المهاجرة بحاسة الملاحة حيث تقوم شركه تدعى feelSpace ببيع حزام يقوم بتوجيهك إلى الاتجاه المطلوب عن طريق الاهتزاز حول خصرك. وشركة أخرى تسمى Cyborg Nest  تقوم ببيع جهاز يدعى (الحاسَّة الشمالية) حيث تستطيع توصيل هذا الجهاز بصدرك فيقوم بالاهتزاز عندما يشير إلى الشمال.

في المستقبل، يمكن ضبط قوقعه الأذن المزروعة بحيث تكون قادرة على التقاط الترددات المنخفضة جداً كقدرة الأفيال أو الترددات العالية جداً كقدرة الدلافين، ويمكن إنشاء عيون إلكترونية بحيث تجعل الإنسان قادراً على رؤية الأشعة فوق البنفسجية (كقدرة الفراشات والرَّنة والكلاب وغيرها من الحيوانات الأخرى)، ورؤية الأشعة تحت الحمراء (كقدرة الثعابين والأسماك والبعوض على ذلك).

ويعتقد بعض الباحثين أننا قد نقوم في آخر الأمر بتركيب منفذ في أدمغتنا يسمح لنا بالتبديل بين الحواس عندما نحتاج إلى ذلك، يقول راجيش ب .ن. را – مدير مركز مؤسسة العلوم الوطنية للهندسة العصبية الحس حركية -: “ربما يكون هناك سكين الجيش السويسري(2) من الحواس التي يمكن أن تحملها معك”، وعندما تتسلق الجبال تستطيع الاعتماد على الحاسة التي تمكنك من قياس المسافة ثم تبدل هذه الحاسة عند حلول الليل إلى الحاسة التي تمكنك من الرؤية في الظلام.

٣- الإحساس بالهزة (الزلزلة) القمرية

قد نكتسب أيضا حواسا فريدة لا توجد حتى لدى الحيوانات، فالسترة التي اخترعها إيجلمان يمكن برمجتها بحيث لا تكون قاصرة على الصوت فقط، بل تستقبل بيانات ومدخلات مختلفة، حيث يقول إيجلمان أنه بالإمكان استخدامها لمتابعة سوق الأسهم أو إدراك مشاعر مستخدمي التويتر أو تحديد خط سير الطائرات الآلية وأبعادها أو معرفة المؤشرات الحيوية الخاصة بمستخدم السترة، ويؤكد إيجلمان أن بالإمكان عرض هذه المؤشرات على شاشة الحاسب الآلي حيث لا يمكن لدماغنا أن يركز على الكثير من التفاصيل المرئية في وقت واحد.

ومن ناحية أخرى، فإن الجسم يُستخدم لمراقبة العشرات من العضلات للمحافظة على توازننا حتى نتمكن من التعامل مع البيانات والمدخلات ذات الأبعاد المتعددة بمهارة أكثر. نظرياً، يمكن أيضاً للزراعة القشرية (أو اللحائية) أن تستوعب مختلف أنواع المعلومات، حيث يتعامل معها الدماغ وكأنها حاسة جديدة، ويقول نيل هاربيسون – وهو فنان سايبورغ من أصل إسباني- ”يمكنك أن تفعل ما تشاء”، “يمكنك تصميم حاسة فريدة متعلقة باهتماماتك أو بحب الاستطلاع لديك”.
عانى هاربسون من عمى الألوان الكلي منذ ولادته، حيث كان بإمكانه فقط رؤية الأبيض والأسود ودرجات الرمادي، وفي عام ٢٠٠٤ خضع لعملية جراحية لتركيب لاقط هوائي بجمجمته، ويحتوي هذا اللاقط على كاميرا في طرفه ويهتز عند ترددات مختلفة مما يؤدي إلى تحوُّل الألوان الى أصوات، (كان بإمكانه أيضاً أن يستخدم هذا اللاقط الهوائي للرد على المكالمات الهاتفية والاستماع إلى الموسيقى).

ويخطط هاربسون لزراعة عمامة حول رأسه تحتوي على بقعة دافئة تدور كل ٢٤ ساعة مما يمنحه أداةً زمنية، فصديقته وشريكته في العمل مون ريباس لديها شريحة لا سلكية في ذراعها تهتز عند حدوث الزلازل في أي مكان بالعالم مما يمنحها حاسة ناشئة عن الزلازل، وتأمل في زراعة أداة تهتز في قدمها لتصل إليها الزلزلة القمرية.
لكن يُحذّر برنارد فريتزش عالم الأعصاب في جامعة أيوا من أن كل ترميم للأعصاب بغرض إضافة حواس جديدة يتسبب بتقليل الخلايا العصبية التي تتعامل مع بقية الأشياء، لذا فإننا نقوم بخسارة شيء ما، عن كل حاسة نقوم بإضافتها.

٤- التفكير الجماعي الموضوعي 

ربما سنتمكن حتى من تحقيق ما يسمى بالحاسة السادسة، فقد قام مهندس في جامعة كوفنتري في المملكة المتحدة، كيفن وارويك، لاسلكياً بتوصيل قطب كهربائي في ذراعه إلى قطب آخر في ذراع زوجته، بحيث أينما كانوا فإنهم يستطيعون الشعور ببعضهما عندما يقوم أحدهما بثني يده، ويريد إيجلمان أن يطور هذه الفكرة بشكل أكبر بحيث يكون هناك اتصال لاسلكيًا بين مراقب نبضات القلب والتعرق الخاص به وبزوجته حتى يتمكنا من الشعور بمزاج بعضهما البعض.

يظهر البحث الذي أجراه راو أنه يمكن للناس إرسال رسائل نعم/ لا عن طريق التخاطر: حيث يقوم جهاز إي إي جي باستشعار النشاط في دماغ المرسل، ويقوم الجهاز الآخر الموجود لدى المستقبِل بإرسال نبضات مغناطيسية إلى دماغه، ويكون لدينا في النهاية غرسات دماغية تتصل لاسلكياً، ويقول راو: “قد يتخطى هذا النوع من التواصل العوائق الموجودة في اللغة، حيث يتمكن الأشخاص من مشاركة أحاسيسهم أو التعبير عن أفكارهم التي يصعب عليهم صياغتها في كلمات، وبالتالي يحسِّن التفاعل والتعاون فيما بينهم”.

ويقول وارويك: “أعتقد أن هذا سيغيّر تماماً من قدراتنا البشرية، فالتخاطر هو ما نسعى إليه وسنحققه في المستقبل”، في الواقع لقد أنشأ إيلون مسك مؤخراً شركة تدعى نيرالينك، تركِّز على توصيل العقول بأجهزة الحاسب الآلي،  ويقول أنه بالإمكان تحقيق التخاطر يوماً ما بواسطة الحاسب الآلي.

سيتبين لنا مع مرور الأيام كيف لتعدد الإمكانيات هذه أن تغيّر منا، يقول هاربسون أن اكتساب حواس الحيوانات “سيتيح لنا التواصل مع الطبيعة والأجناس البشرية الأخرى بشكل أعمق”، ولكن إذا كانت الحواس المشتركة تربطنا بالأجناس الأخرى، فهل يؤدي التفاوت في الحواس لدى الجميع بتفريق الأشخاص وذلك بخلق فئتين جديدتين لمن يمتلك هذه الحواس ولمن لا يمتلكها؟ نحن بالفعل نناضل للاتفاق على ما هو حقيقي وما هو مزيف، ويبدو أن هذه المشكلة تزداد سوءاً مع التقنية التي تبدع لنا بوسائل جديدة من الإدراك، يقول وارويك: “المجتمع يتمدد كشريط مطاطي، ويمكن للتحسين الجذري للحواس أن يجعله يتمدد أكثر، ولكن السؤال المهم هو: هل يمكن لهذا الشريط أن ينقطع؟”


[١] الرصد بالصدى: السونار الحيوي، وهو سونار طبيعي تستخدمه بعض أنواع الحيوانات للعثور على طرائدها أو التعرُّف على محيطها (المترجمة).
[٢] السكين السويسرية: هي أداة متعددة الوظائف بالإضافة للشفرة أدوات أخرى مثل مفك ومقص، تم تطوير هذا السكين في نهاية القرن التاسع عشر على يد الحداد روبين “Schmidt-Rubin” (المترجمة).

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!