لماذا نجني المال؟ إذا عرفت الإجابة ستكون أغنى الناس

المال عصب الحياة كما يقال ولكننا كثيرا ما نعطي المال فوق قدره أو نبخسه قدره تماما، فهذه دعوة للتفكر في حقيقة المال وكيفية استهلاكه
4.7 (3)

في أحد أيام الصيف، و كنا ما زلنا بضعة شبان حديثي التخرج، قررنا زيارة أحد مدرّسينا، رجل قارب السبعين من عمره و ما زال يحتفظ بروح الشباب.

و بالطبع في جلسة صفاء كهذه، لا بد أن نعكرها –نحن الرجال- بحديث ٍ عن صعوبة (الحياة الواقعية)! وهكذا انطلقت أحاديث الشكوى عن ساعات العمل الطويلة، الأجر الزهيد، المديرين المتطلبين… و كيف أصبحنا مجرد ترس في آلة الاستهلاك العالمية!

بعد فترة من قدومنا، نهض مدرسنا إلى المطبخ ثم عاد حاملاً خمسة أكواب من الشاي: بعضها كانت أكوابا عادية و الأخرى أكوابا مزخرفة و كأنها تحف زجاجية. و كما هو متوقع! فقد دارت حرب –لطيفة- على الأكواب المزخرفة، و كلٌ منّا يحاول أن يسبق الآخر في أخد أحدها.. و مدرسنا العزيز يبتسم بصمتٍ مهيب.

انتهت المعركة و تأملت الكوب العادي بين يديّ بحزن، و جلست استمع إلى حديث المدرس الحكيم و الذي بدأه بالقول: (أرأيتم؟ هذه هي مشكلتكم! لقد خضتم معركة في سبيل الأكواب المزخرفة رغم أن كل ما يهمكم حقاً هو ما بداخل تلك الكؤوس: مشروب الشاي اللذيذ!، لقد تركتم القيمة و أهتممتم بالوعاء الذي يحويها).

و المال ينطبق عليه ذات الأمر: فمعظمنا نربط هويتنا و تقييمنا لذاتنا من خلال ما نملكه من مال، متناسين أن المال وعاء للقيمة و ليس قيمة بحدّ ذاته.

فما هو المال؟

تتنوع أشكال القيم في حياتنا: فالمال قيمة – المعرفة شكل  من أشكال القيم أيضاً، السعادة و غيرها من المشاعر الإيجابية اللطيفة … جميعها أشكال للقيم في حياة الإنسان.

و يبرز دور المال في كونه “وسيلة” للتبديل بين أشكال القيم آنفة الذكر مع بعضها البعض. بل ما رأيك إن أخبرتك أيضاً  أن …

لا علاقة بين المال و الثروة؟

هذه صحيح تماماً! ثروة الإنسان ليس بما يمتلكه من مال. المال هو “التأثير الأكثر وضوحاً لمشاكلنا”، بعبارة أدقّ: المال مرآة لدواخلنا.

يظن معظم الناس أن امتلاكهم للمال يجعلهم أغنياء، لكن هل لاحظت أن الأغنياء بغيضون؟ كلما أزداد ما في أيديهم من مال، كلما زاد تعاليهم على الناس!

حسناً! انا لا أدعو للفقر فـ(المؤمن القوي خيرٌ و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف)

لكنني أحاول أن أخبرك بقيمة المال. ممممم، هل سبق أن شاهدت فيلم “نادي القتال”؟
هناك إقتباس رائع في الفيلم و هو:
(The things you own end up owning you – الأشياء التي تمتلكها، تمتلكك في نهاية المطاف)

فمهما امتلكت، و مهما اشتريت، و مهما كنت تكسب من مال، فلن تشفى من مرض (أرغب المزيد..)

المال وسيلة لا غاية:


هذه إحدى العبارات التي لا يتوقف الناس عن ترديدها رغم أن لهاثهم خلف “المزيد” من المال يفضحهم!

هل تسمح ليّ أن أشرح لك معنى العبارة من وجهة نظري؟

المال وسيلة لاختبار المشاعر: حين تشتري سيارة حديثة (موديل السنة) فأنت لا تهيم عشقاً في المقود المريح لها! بل تشتريها لاختبار شعور القوة و الشعور بالعظمة أمام نظرات الناس المنبهرة بك و بسيارتك. و حين تقرر أن تسافر إلى جزيرة استوائية برفقة أسرتك، فأنت تتحمل تكاليف السفر أملاً في بناء ذكريات لا تُنسى لك و لعائلتك.

لكن..

و في مقابل اختبارك للمشاعر الطيبة آنفة الذكر (وغيرها)، أنت تدفع جزءاً أكبر من وقتك و صحتك و تفاضل ما بين (وقت العائلة) و (وقت العمل). و قد تُضطر لتحمّل بيئة عمل سيئة، غير خلّاقة، و قاتلة للإبداع في داخلك. فهل يستحق المال كل ذلك؟

بالطبع لا، فالثراء الحقيقي يكون عندما لا ننفق المال في طرق تعويضنا عمّا ضاع منّا في رحلة كسبه. وكلمة السرّ لفعل ذلك: التوقف عن اعتبار المال و طرق إنفاقنا له مقياساً للنجاح. و مجدداً المال وسيلة لبلوغ النجاح، لكنه ليس النجاح نفسه!

و تذكر: تلذذ بنكهة الشاي الغنيّة، لا بالكوب المزخرف.

 


و أخيراً أختم بقصة مُلهمة عن صياد سمك زاره أحد الأغنياء فوجده نائماً في ظل قاربه، فسأله الرجل الغني: كيف تقضي يومك؟ فأجاب الصياد: استيقظ في العاشرة صباحاً، و أنزل إلى الصيد بعد تناول إفطار شهي مع عائلتي، أعود من رحلة الصيد ببضعة سمكات أبيعها في سوق السمك، ثم أعود إلى منزلي للقيلولة، و في المساء أذهب إلى المقهى القريب لأقضي بعض الوقت في التحدث مع أصدقائي الصيادين، إلى أن ينتصف الليل فأعود و أقضي بضعة ساعات برفقة زوجتي و أطفالي، لأنام مع طلوع الفجر.

و هنا ابتسم الغنيّ بسخرية –جاهد في عدم إظهارها- و قال له: و لم لا تبدأ رحلة صيدك منذ الخامسة صباحاً، ثم تعود مساءاً بحصيلة أكبر من السمك لتبيعه، و تستمر على هذا المنوال لمدة سنة، إلى أن تمتلك ثمن قارب آخر، فثالث و هكذا إلى أن تمتلك أسطول من القوارب، حيث يعمل تحت أمرتك صيادين آخرين و تصبح غنياً.
و هنا سأل الصياد: و بعد ذلك؟
و حينها ستتمكن من النوم حتى العاشرة صباحاً، و تقضي وقتاً أطول مع عائلتك، و في المساء تلتقي مع أصدقائك في سهرٍ حتى الصباح لتنام عند طلوع الفجر.

و هنا.. ابتسم الصياد!

لديك مشروع؟

اطلب تغطية مجانية

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!