هل ستقنعك هذه الأسباب بأن تكون مترجما متخصصا؟

يبدأ المترجم عمله بمحاولات هنا وهناك، وبعضهم يحدد طريقه فتتضح أهدافه، وآخرون يواصلون التحرك في المجال العام دون إدراك لقوة التخصص
4.3 (15)

ذكرت في مقال سابق أنه ينبغي للمترجم أن يرفض بعض المشاريع وفق مؤشرات معينة، ومن ضمن المؤشرات أن يكون المشروع في مجال غير مجال تخصصه. وأوضحت السبب في نفس المقال. أما في مقالي هذا، فسأبيّن فوائد التخصص في الترجمة من خلال خبرتي اليسيرة واطلاعي الذي أزعم أنه كاف لمشاركة مثل هذه الأفكار. سأجيب تحديدا عن سؤال: لماذا ينبغي للمترجم أن يتخصص في مجال أو مجالات محددة؟ الدافع لمثل هذا المقال أنني رأيت كثرة مَن يترجمون كل شيء بمستوى متوسط أو أقل دون تميّز في مجال معين، ولأني أرى تغيّرات في سوق الترجمة تجعل الأفضلية للمتخصص، ولأن مجالات الترجمة لم تعد أدبية فحسب، بل تنوعت وما تزال تتفرع في مجالات تخصصية، لا يمكن معها البقاء في فضاء عام دون اهتمام بفروع محدودة.

خمسة أسباب لأن تكون مترجما متخصصا

الاستفادة من سجل المشاريع

إذا دخل المترجم سوق العمل وبدأ يقدم خدمة ترجمة بمقابل مالي، فإنه سيكون بين نظرة قصيرة المدى تجعله يقبل المشاريع لأنها مشاريع ترجمة دون تركيز على مجالات معينة، وبين نظرة بعيدة المدى تجعله يعي أن خطواته الحالية ستوصله إلى قمة بعيدة بعد عدة سنوات. قصدي هنا، أن التخصص سيجعل مشاريعك التي تنفذها اليوم تزيد من قيمتك إذا تراكمت بعد سنوات لأنها في مجال معين. على سبيل المثال إذا نفذت ١٠٠ مشروع ترجمة في المجال القانوني، فستكون هذه المشاريع في سيرتك الذاتية أقوى مما لو كانت في مجالات متنوعة، وسيعرفك أهل المجال القانوني بين مترجمين معدودين بعكس ما لو كنت في المجال العام. فأولى فوائد التخصص أنه يجعل مشاريعك المنجزة ذات قيمة في المستقبل.

فرصة أفضل للبحث

أشرت في مقال سابق إلى حاجة المترجم للقراءة في مجال اهتمامه كلما وجد وقت فراغ، ولكن السؤال: كيف تعرف اهتمامك وأنت لم تتخصص؟ من ميزات التخصص أنه يسهل عليك تحديد قراءاتك خاصة في هذا الزمن الذي لا يقف فيه سيل المعلومات بل يزداد تدفقا يوما بعد يوم. إن كنت متخصصا في الترجمة الطبية أو العسكرية على سبيل المثال سيكون بإمكانك متابعة المستجدات من معارف ومصطلحات وتقنيات في هذين المجالين، ولن تبدأ في كل مرة من الصفر عند إجراء عملية بحث للتحقق من صحة الترجمة. ليس هذا وحسب، بل إنك ستعرف كيف تؤكل الكتف حينما يتعلق الأمر بالبحث عن عملاء محتملين أو فعاليات ذات علاقة، وسأتحدث عن هذا في فقرات لاحقة.

توفير الوقت

وعندما نتحدث عن البحث، فلا بد من الحديث عن الوقت أيضا، فربما يقضي المترجم وقته في البحث أكثر مما يمضيه في الترجمة، وقد حدث لي ذلك مرة في أحد المشاريع التي أنجزتها. لذلك أنصح بالتخصص وأراه كثر حفظًا لوقت المترجم، ليس في البحث فقط؛ وإنما في الإنجاز أيضا. ربما تتساءل كيف؟ هل تذكر النقطة الأولى حينما قلتُ بأن التخصص يجعلك تستفيد من سجل مشاريعك الماضية؟ نعم بالتخصص ستُنجز أكثر. ليست الاستفادة في السيرة الذاتية فقط وإنما في توفير الوقت، فالمترجم في وقتنا الحالي لا بد أن يستفيد من تقنيات الترجمة ومنها ذاكرة الترجمة، فلو كنت تعمل على مشاريع ترجمة في المجال المالي، ستكبُر ذاكرتك الترجمية وتكون خير مورِد لك عند تنفيذ مشاريعك، وكلما كبُرت الذاكرة ساعدتك في توفير الوقت والجهد. الذاكرة العامة لن تكون ذات جدوى مثل الذاكرة الترجمية المتخصصة.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

المشاركة في الفعاليات المتخصصة

مما يميز عصرنا الحالي ظاهرة الفعاليات والمعارض المتخصصة، فمنها الثقافي ومنها العلمي ومنها ما هو في الصحة وأخرى في التسويق إلخ. وأفضل استثمار لهذه الفعاليات هو لقاء المهتمين بالمجال وتكوين علاقات عمل. قد يقول قائل: وما علاقة هذا بالترجمة؟ حسنًا، أذكر مرة أني رأيت تغريدة تتذمر فيها صاحبتها من قلة فعاليات الترجمة في السعودية، فقلت في نفسي: المترجم المتخصص سيجد فعاليات تخصه دون أن تكون الترجمة موضوعها الأساسي. لو كنت مترجما أدبيا فمعارض الكتاب فرصتك في لقاء الناشرين مثلا، ولو كنت في القانون فملتقيات المحامين وما يتعلق بالقانون فرصتك، وهكذا. التخصص سيجعلك تتحرك في مجال خصب أيًا كان التخصص. دعني أخبرك بسِر: ملتقيات الترجمة ستجمعك بزملائك وأما فعاليات التخصص فستجمعك بعملائك، أظنك تريد العملاء!

تقديم نفسك بجاذبية

ضع نفسك في مكان العميل، وتخيل أنك صاحب منشأة لإنتاج الأدوية وتحتاج لمن يترجم لك وثائق مؤتمر عُقد مؤخرا حول تصنيع الأدوية فوجدتَ مترجمَيْن جيدَيْن، أحدهما يصف نفسه مترجما طبيا والآخر يصف نفسه مترجما (هكذا دون تخصص)، فأيهما ستختار؟ الإجابة واضحة. على أية حال، تخصصك في مجال ترجمة معين سيساعدك في تقديم نفسك للعملاء وسيكون ذلك مصدر جاذبية. قابلت مرة مترجما إنقليزيا يترجم عن الفرنسية وأخبرني أنه متخصص في ترجمة قوائم الطعام والشراب فقط! تعجبت من هذه الدقة، ولكني تعجبت أكثر حين أكد لي بأن طلبات الترجمة زادت حينما ركز على تخصصه، وأقنعني حين قال: “أعرف مئات المترجمين، ولكني لا أعرف مترجما متخصصا في قوائم الطعام والشراب غيري”، عجيب! المهم، لو حضرت فعالية متخصصة فإنك ستكون أكثر جاذبية لو قدّمت نفسك بصفتك مترجما متخصصا في ذات المجال. أذكر مرة أن أحدهم سأل سؤالا في تويتر حول الترجمة الطبية فأشار أكثر من حساب إلى مترجمة اسمها ميعاد، فلما نظرت في صفحتها وجدتها قد عرّفت نفسها بالتخصص -مترجمة طبية- فصارت حاضرة في الذهن!

كيف أتخصص؟

بعد هذا كله ربما تتساءل: وكيف أتخصص؟ حقيقة لا أملك أفضل إجابة عن هذا السؤال، ولا أظن أحدا سيعرفك أكثر من نفسك، ولكني سأخبرك بما أفعله ورأيت غيري يفعله. بداية أمسك ورقة وقلما واحصِر مجالات اهتمامك التي تقرأ فيها وتلفت انتباهك في الشارع والسوق والتلفاز والمذياع وبين الناس وفي المجالس، ثم انظر فيها وتعرّف على شريحة عملائك المحتملين. بعد ذلك جرّب أنواع متعددة من الترجمات لمدة كافية وانظر إلى أيها تميل، ثم إن وجدته مناسبا لك وفي قائمتك اهتماماتك الأولى، فهو مجالك المناسب غالبا. والتخصص تدريجي؛ فبدلا من الترجمة في ١٠ مجالات، قلّصها إلى ٥ ثم ٣ وهكذا حتى يبرز توجّهك المثالي، وفي نهاية المطاف، أنت حُر في تغيير تخصصك إن رأيت في ذلك منفعة. بعدما تعرف مجال تخصصك، ابدأ بتقديم نفسك للناس بصفتك متخصصا في ذلك المجال وتواصل مع زملائك فيه وابحث عن كل جديد ذي علاقة، ولا تنس إعداد قائمة بمشاريعك التي تنفذها لتكون السجل الذي يزيد قيمتك. هكذا ببساطة.

أي التخصصات الترجمية أفضل؟

هذا سؤال طبيعي حين نتحدث عن موضوع التخصص في الترجمة. قناعتي الشخصية أن السوق واسعة لا تضيق على متخصص مهما كان مجاله، وأن العملاء وطلباتهم لا تنتهي مهما كان تخصصك. نصيحتي للمترجم بأن يحرص على تقليل منافسيه بدلا من استكثار شريحة العملاء. هل سمعت بمترجم متخصص في الحياة الفطرية؟ أنا لم أقابل هذا المترجم حتى الآن ولا أفكر في منافسته!

لديك مشروع؟

اطلب تغطية مجانية

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!