أهمية التفاصيل الصغيرة في الكتابة الخيالية

الكتابة الإبداعية تعتمد على الموهبة، ولكنها بلا شك تتميز بقدرة الكاتب على إبراز التفاصيل لتخدم فكرته في الكتابة الخيالية
5.0 (2)

يجب إنشاء العمل الخيالي – إن جاز التعبير – خطوةً بخطوة. قد يكون لدى الكاتب رؤية للصورة الكبيرة، لكن لا شيء ينجح، وخاصةً الحبكة، إذا كانت التفاصيل الصغيرة الواضحة الموثَّقة غير موجودة. التفاصيل الصغيرة والمحددة هي عادةً الفرق بين قصة ناجحة وأخرى فاشلة، بين فقرة جيدة من الكتابة الخيالية وفقرة رائعة من الكتابة الخيالية.

ككاتب، يجدر بك أن تأخذ بعين الاعتبار أمورًا مثل الكتب على رفوف الشخصية، الرسومات على جدرانه، ألوان جدرانه، نوع السيارة التي يقودها، أنواع الملابس التي يرتديها، أذواقه في الطعام، في الشراب، في الموسيقى، في الأفلام، وفي الأصدقاء.

علاقة التفاصيل بالقصة وتأثيرها

لا يتوجب عليك بالضرورة أن تمتلك الكثير من التفاصيل. بلا شك، فأنت لا ترغب تفاصيلاً غير موثقة ستُضجر قارئك وحسب. مجددًا، السياق هو كل شيء. في بعض القصص، قد لا يكون من المهمّ وصف مظهر الشخصية الرئيسة إطلاقًا أو ذِكر أي نوع من السيارات يقود أو في أي مدينةٍ يعيش، لأن هذه الأمور قد لا تكون مهمة لتلك القصة بصفة خاصة، لكن سيكون – وبالطبع – كل شيء آخر مهم. على سبيل المثال، في القصة التي ألّفها إرنست همنغوي، المسمّاة “تلال كالفيلة البيضاء”، لا يوجد أي وصف للشخصيات. مظهرهم غير مهم، لكن شعورهم كذلك. ومشاعرهم تستحضر بقوة في حوارهم. معرفة كيف تبدو الشخصيات لن يضيف شيئًا للقصة. مظهرهم الخارجيّ ليس مهمًا، وليس جزءًا من القضايا التي يناضلون لأجلها أو العواطف التي يشعرون بها.

يجب أن تتجنب التفاصيل التي لا تسهم في مُتَع القارئ الذهنية والعاطفية، لكن في أكثر الأحيان، تكون التخيلات ضعيفة بسبب التفاصيل غير الموثقة وبسبب انعدام التفاصيل الفعالة الحسيّة. يجدر بقارئك أن يرى ويسمع ويشعر ويتذوق العالم الخيالي الذي تصنعه. وما يمكنه تحفيز إدراك قارئك وحده هو التفاصيل المحددة الحسيّة.

أنت واحد من مئات الكتاب المميزين الذين يشاركون في صناعة محتوى فريد بمشاركة تجاربهم وخبراتهم على موقع زد.المزيد عن سباق الخمسين مقالة

خاطِر

تجنب التفاصيل السطحية الموثّقة فقط التي قد تكون القصة أفضل حالاً من دونها، لكن لا تخف من التفاصيل التي تحمل بعضًا من الشحنة العاطفية. سيدمر الكتّاب أحيانًا – بعيدًا عن خوفهم من أن يكونوا عاطفيين – مسودّة القصة الأولى عبر تجريدها من التفاصيل التي تعطيها حيويتها. إذا كانت التفاصيل هي ما تحرّكك عندما تكتب قصة، فهنالك فرصة أيضًا في أن يتحرك القارئ. إذا كنت خائفًا من أن تُدعى عاطفيًا أو من أن يُكشف شيء عن نفسك، فأنت تخاطر بألا تكون مؤثرًا أبدًا وارتكاب أعظم خطيئة، تلك الخطيئة المصيريّة التي يمكن أن يرتكبها الكاتب؛ وهي أن يكون مملاً.

عمومًا، إنها التفاصيل الصغيرة هي ما ترفد خيالك بالفوريّة، ليس وحدها فقط بل الإبداع أيضًا. إذا كتبت بصراحة عن الطريقة التي تنظر فيها إلى الحياة، عن الشخصيات والمواقف التي يجدون أنفسهم فيها والمعاني والتداعيات لهذه المواقف وإذا كتبت بشكلٍ واضح، وأثرت حواس قارئك وجعلته يشعر أنه حقًا جزء من عالمك الخيالي، سيتواجد عندها الإبداع في عملك. سيتواجد هذا أصلاً لأنك إنسان فذ. لا أحد في العالم سيتصور أو يفسر أو يقدم نفس القصة بالضبط.

فرضية “الصورة الكبيرة” للقصة قد لا تكون شيئًا جديدًا. خذ – على سبيل المثال – الفيلم الأول لـ(روكي)، الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل صورة عام ١٩٧٦. هنالك الكثير فيما يتعلق بفرضية “روكي” التي قد تُوقع الكثير من الناس باعتبارهم تافهين؛ ملاكم فقير يُدعى روكي يحصل على فرصةٍ في اللقب. لا شيء أصلي جدًا بشأن ذلك. لكن ما يجعل الفيلم ناجحًا هو أن الشخصيات تعود إلى الحياة لذلك يعرفها الجمهور ويهتم بها. القليل من التفاصيل مثل سلاحف روكي الأليفة، والسلاحف على جدرانه، والشق في قميصه، والعبارات التي يستعملها عادةً.. كل هذه الأمور الصغيرة تغطي جزءًا كبيرًا في تطور شخصيته (قد يكون نفس الشيء صحيحًا، بالطبع، إذا كان “روكي” قصة قصيرة أو رواية أو مذكرات).

بالمناسبة، الأجزاء التالية من فيلم “روكي” لم تنجح أيضًا لأن التركيز لم يكن مكثفًا على الناس والتفاصيل الصغيرة كما هو الحال في مشاهد التدريب والقتال والحجج الميلودرامية بين الشخصيات، العناصر المثيرة بدل العناصر البشرية.

موضوع القصة هو دائمًا الناس تقريبًا، أي شيء آخر قد تثيره القصة، والإبداع لا يأتي من الموضوع بقدر ما يأتي من معالجة الموضوع. لا تحتاج للبحث عن شيء غريب لتكتب عنه – كمصارع محترف متعدد الأزواج. يمكنك أن تكتب عن شيء يبدو عند تلخيصه عاديًا – على سبيل المثال، سيدة عجوز تعيش وحيدةً في كوخ بالغابة ولا تفعل شيئًا سوى العمل بالأزهار في فنائها وشرب الشاي قبل الخلود إلى النوم ليلاً.

كل شيء يعتمد على التفاصيل الصغيرة. في أيدي الكاتب الجيد، تلك السيدة العجوز، وكوخها، وأزهارها، ورائحة ومذاق شايها، بالإضافة إلى شعور الكوب الناعم الخزفيّ في يدها، يصبح حقيقيًا نوعًا ما للقارئ، وتنتهي القصة بكونها مقنعة حقًا.

للأسف :(

متصفحك غير مدعوم، من فضلك قم بالترقية لمتصفح أحدث!